نحن نعيش الآن عولمة في الاقتصاد، كيف يمكن أن تكون هناك منظومة مصرفية إسلامية مستقلة عن المنظومة المالية العالمية الربوية؟
العالم الإسلامي ولله الحمد عالم غني وممتد في الشرق والغرب ويمثل خمس العالم فمن السهولة بمكان أن نسير على قواعدنا الإسلامية بل كما قلت لك إن كثيرا من البنوك الربوية التي يقوم عليها نظام العولمة ترغب رغبة ملحة وصريحة وأكيدة في أن تنتهج منهج البنوك الإسلامية حيث لا تأخذ الربا ولا تعطي الربا وما أجمل هذا المبدأ المثالي الذي يدعو إليه عقلاء الاقتصاديين الذين يريدون إنقاذ الاقتصاد العالمي من أزماته المتكررة فلذلك لا تصادم بين المنهج الإسلامي وبين المنهج العالمي لأن منهجنا منهج يتفق مع الحق والعدل وإنصاف الحقائق ومراعاة المحتاجين وإنقاذ من يتعرض لشيء من الأزمات المالية. أما النظام الاقتصادي العالمي فهو يزيد الطين بلة ويزيد الضرر ضررا وإيذاء ويلحق الأذى المحقق بالمحتاجين لدرجة أن كثيرا من هؤلاء في نهاية الأمر يفلسون ويقعون في مختلف الطامات والأزمات الاقتصادية.
دمشق - تيسير جاسم
الخميس 28 نوفمبر 2002م تمام الساعة 01:28 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
**************
التأمين والأسهم والسندات
الفرقان: ما رأيكم بالأمور التي تجدّ في عصرنا ولم يتطرق إليها الفقه الإسلامي فهناك اجتهادات وخلافات فقهية متعددة وفي مواضيع مثل: توقيت البدء بالصيام، وقضايا معاصرة مثل التأمين والأسهم والسندات والمحافظ الاستثمارية وعلى صعيد المصارف الإسلامية أيضاً.
د. الزحيلي: هذه الأمور نغطيها بما يسمى بالاجتهاد الجماعي الآن. هناك مجمع البحوث الإسلامية في مصر، والمجمع الفقهي في مكة المكرمة، ومجمع الفقه الإسلامي في الهند، هذه المجامع - التي أنا عضو فيها كلها - تتبنى قضايا 90% منها اقتصادية حديثة من مثل ما ذكرت، أو علوم طبية أو علوم فلكية أو علوم كيماوية، كل ذلك نحن نتجاوب مع العصر فيما هو مسموح لنا أن نتجاوب فيه، ونجتهد ونجدّد فيه، نطبق قواعد الشرع وأصوله ومقاصد هذه الشريعة من الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسب والعرض والمال، ولكن هناك من لا يعرف ولا يطلع على قرارات هذه المجامع - والتي صدرت عنها منذ أكثر من عشرين سنة - في تلك القضايا المعاصرة بسبب أن الدول الإسلامية التي تبلّغ بهذه القرارات تحبسها في الأدراج ولا تسهم في نشرها، الناس يظنون أننا جامدون على القديم لا نتجاوب مع الحديث، هذه تهمة باطلة، ونحن نوجد البدائل، ففي جانب المصارف الإسلامية أوجدنا عشرات البدائل حتى لا تنغمس هذه المصارف في المحرمات والربا وفي عقود باطلة أو فاسدة، ونجحت هذه المصارف ولله الحمد. وهي - أي المصارف - تحقق نفس الأنشطة التي تقوم بها البنوك العادية وشركات التأمين ولكن بالطريق المباح، وقد يظن بعض الجهلة أن النتيجة واحدة، ولكن الواقع أن هناك فرقاً بين أن نسلك طريقاً حلالاً يكون العقد فيه صحيحاً والكسب مباحاً ويكون - ما يسمونه - بالفوائد حراماً، وبين أن ننغمس في مبدأ العمل بعقد فاسد أو باطل إذن نحن نملأ الساحة بهذه الاجتهادات الجديدة، وإن أردتم الاطلاع على كتابي في هذا الموضوع، الذي ذكرته آنفاً - تجدون فيه الغنية.
هل يمكن أن نستخدم الفوائد (أرباح البنوك) من أجل تغطية كلف العمليات المصرفية (استخدام الفائدة في دفع نفقات فتح الحسابات المصرفية).
الفوائد البنكية حرام على الإطلاق على صاحب المال المودع في البنوك، لقوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: 2/275] وقوله سبحانه: ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة 2/278]. وبناء عليه، يحرم على صاحب المال الاستفادة أو الانتفاع من فوائد ا لربا، بأي وجه من وجوه الانتفاع، لا في أداء الضرائب والرسوم للدولة، ولا في أداء الزكاة، ولا في العمليات المصرفية كدفع نفقات فتح الحساب المصرفية، أو مقابل خطاب الضمان في حدوده المشروعة، ولا في غير ذلك مما يجب على صاحب المال المودع أو المقرض إيفاؤه، لتغطية لوازمه أو التزاماته. والسبيل الوحيد للتخلص من هذه الفوائد ومن كل مال حرام هو التصدق به على الفقراء أو الإسهام به في مصلحة عامة كتعبيد طريق، وخدمات مشفى، أو منفعة عامة كطلاب المدارس، ولاثواب على هذه الصدقة. ويأكلها الفقير أو المنتفع طيبة، لأن الحرام لايوجد في ذمتين، والله ولي المتقين.