تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا يمكن اعتبار العقد من قبيل المضاربة؟

المضاربة تكون في التشغيل بالأعمال التجارية ونحوها والبنك التقليدي الربوي لا يقوم بهذا العمل أصلا بحسب النصوص القانونية التي تسمح لهذه البنوك بالنشاط المصرفي المحض دون أن تقوم بشيء من الاتجار أو الاستثمار أو غير ذلك، وكل فائدة ثابتة سواء سميت فائدة أو سميت ربحا إذا كان ذلك ثابتا فهي تتنافى مع أصول الشركة التي تقوم عليها مشروعية الشركات في الإسلام. هذه الشركات تقوم على أساس المساهمة والمشاركة في الربح والخسارة ووجود ربح مقطوع أو ثابت يتنافى مع مشروعية هذه الشركة.

إذن فالقرار لا يتفق بحال من الأحوال لا مع النصوص الشرعية ولا مع اجتهادات الفقهاء ولا مع تفسير معنى الربا، فالبنوك الربوية في الواقع تطبق ما كان عليه العرب في الجاهلية حينما يقترض الإنسان مبلغا من المال لمدة سنة ثم يعجز عن سداده فيأتي إلى المقرض فيقول له زدني في الأجل وأزيدك في العوض، فالمقرض يقول له إما أن تربي وإما أن تدفع، وهو عاجز فيمد له في الأجل ويعطيه زيادة في الفائدة وهو ما تقوم به البنوك الربوية في الوقت الحاضر، إذ أنها تضم فائدة مركبة كل سنة حينما لا يستطيع المقترض سداد مبلغ القرض فتضم عليه فائدة ربوية، فهذا يطابق ما كان عليه عرب الجاهلية والذي جاء النص القرآني منددا وموبخا وناهيا المسلمين عن تقليدهم في قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ فالفائدة المركبة تكون في مبدأ الأمر 7 في المائة ثم في العام القادم 14 ثم في العام الثالث 21 وهكذا دواليك وهذا معنى مضاعفة الفوائد الذي جاء في القرآن في إحدى مراحل تحريم الربا وهو النهي الواضح عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، وهذا تعبير عن ذلك الواقع الظالم الذي كان عليه العرب في الجاهلية، وأما الآية الأخيرة والنهائية التي جاءت تحرم الربا كما ذكرت في مطلع كلامي، فهي تحرم كل أنواع الربا وكل أنواع الفوائد سواء كانت الفائدة قليلة أم كثيرة.

فإذن مجموع هذه الضوابط يجعل مثل هذا القرار مبنيا على أخطاء متعددة وينبغي العمل على إلغائه في أقرب فرصة ممكنة، طبعا بعد أن تتغير الظروف التي أحاطت بهذا القرار ووافق عليه بعض إخواننا من علماء الأزهر وهم رتبوا فتواهم أو قرارهم على معلومات تعد خطأ محضاً، سواء في مصادمة ما أجمع عليه المسلمون من تحريم قليل الربا وكثيره أو في فهم مدلول أربى أو في نشاط هذه البنوك حيث لا تقوم باستثمار كما يظن بعض هؤلاء وبالتالي تكون الودائع مستثمرة في نشاط تجاري أو غيره، فكل هذه المعلومات ينبغي أن تصحح وأن يعاد القرار إلى وجهه الصحيح الذي يتفق مع ما عمل به المسلمون طوال 14 قرنا، والظروف الحاضرة.

قد يقال إن البنوك ضرورة اقتصادية؟

لسنا في هذا الجانب نتكلم وإنما نقول إن هذه الفوائد الربوية هي عين الربا الذي حرمه الشرع الإسلامي. لذلك ندعو الله سبحانه وتعالى أن يعود هؤلاء عن خطئهم وأن يرجعوا إلى سواء الصراط وخصوصا أن الأزهر له مكانته العالمية وله هيبته وله اعتباره، ينبغي أن تكون مثل هذه القرارات مؤصلة تأصيلا صحيحا حتى يقتنع بها العالم الإسلامي دون أن يورطوا الناس في الوقوع في الحرام وفيما يصادم شرع الله ودينه فذلك مما لا يجوز بحال من الأحوال. والذي أؤكده أنه بعد زوال ظروف إصدار هذا القرار مع الأسف الشديد الذي يعد نكسة ونقطة سوداء في تاريخ مصر وفي تاريخ الأزهر لا بد إلا أن تمحى هذه النقطة بعون الله تبارك وتعالى في ظروف تختلف عن الظروف التي أحاطت بصدور هذا القرار والناس عليهم أن لا ينخدعوا بمثل هذه القرارات الخاطئة وأن لا ينجروا إلى مثل هذه الفتاوى التي هي خطأ محض و(أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) وأن يتثبتوا من واقع الأمر وأن لا يرموا باللائمة على تقليد هذا القرار فذلك بحسب اتفاق علماء الأمة الإسلامية على المدى الطويل يعد هذا الاتفاق في الواقع أول ضربة موجهة لقبول مثل هذا القرار أو الاقتناع به فذلك مما لا يتفق مع سمعة الأزهر العالمية ولا مع حياده وتجرده وحرصه على أن تكون القرارات الصادرة عن مجمع البحوث معبرة عن واقع الإسلام وعما هو حلال والابتعاد عن كل ما هو حرام بل عن الشبهات أيضا، فمثل هذه الأخطاء في الواقع ينبغي أن تتدارك وأن لا ينخدع العالم الإسلامي بهذا القرار فهو كما ذكرت يعد خطأ محضا ولا مسوغ له في المعايير الشرعية، بل إن كل قرارات المجامع الفقهية الدولية تعبر عن علماء الأمة الإسلامية قاطبة دون أن يحيط بها مثلما أحيط بهذا القرار من ملابسات معينة ومعروفة إذن ينبغي أن ندرك إدراكا شاملا أن الصواب هو تحريم أخذ هذه الفوائد أو إعطائها وأن كل ما يتناقض أو يتعارض مع النصوص الشرعية ينبغي إهماله وعدم الالتفات إليه وجعل مثل هذا القرار حبرا على ورق ولا يصح لأحد من المسلمين أن يعمل به، فإن عمل به فقد ارتكب الإثم الواضح على الرغم من صدور هذا القرار.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٣٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٣٣٠