قلت: وها هو مسلم ينبّه أيضاً على أن حديث يونس ومعمر أتم من حديث سفيان. وقصد مسلم بالأكثر والأتم بعض العبارات فقط. وأما القصة التي جاءت في حديث إبراهيم بن بشار بين عمر والقعقاع فلا توجد إلا من طريقه!
قلت: وإبراهيم صدوق له أوهام. وقد تكلم الناس في روايته عن ابن عيينة. قال الإمام أحمد: "كأن سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار ليس هو سفيان بن عيينة". وقال عبدالله بن أحمد: سمعت أبي ذَكَر إبراهيم بن بشار الرَّماديّ، فقال: "كان يحضر معنا عند سفيان بن عيينة، فكان يملي على الناس ما يسمعون من سفيان، وكان ربما أملى عليهم ما لم يسمعوا". ويقول: "كان يغيِّر الألفاظ، فيكون زيادة ليس في الحديث"، أو كما قال. قال أبي: فقلت له يوماً: ألا تتقي الله، ويحك! تُملي عليهم ما لم يسمعوا؟ ولم يَحمده أبي في ذلك، وذمَّه ذمّاً شديداً. (تهذيب الكمال: 2/ 57 - 58).
قلت: فالقصة التي ذكرها إبراهيم بين القعقاع وعمر ليس لها أصلٌ من حديث ابن عيينة. بل وليس لها أصل من حديث الزّهري!
وعليه فلا يَحسُن تصرف محقق مسند أبي عوانة المدعو أيمن بن عارف الدمشقي بقوله في تخريج الحديث: "مسلم (1775) من طريق سفيان بن عيينة"!! فمسلم -رحمه الله- لم يسق متن حديث سفيان، وإنما ذكر الإسناد لتقوية الطرق الأخرى كعادته في ذلك.
وأصل هذه القصة أخرجها الحاكم في ((المستدرك)) (3/ 51) من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبدالله: ((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصري من بني نصر، وبني جشم، وبني سعد بن بكر، وأوزاعاً من بني هلال، وناساً من بني عمرو بن عاصم بن عوف بن عامر، وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبنو مالك، ثم سار بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار مع الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبدالرحمن بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: اذهب فادخل بالقوم حتى تعلم لنا من علمهم. فدخل فمكث فيهم يوماً أو يومين، ثم أقبل فأخبره الخبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال عمر: كذب ابن أبي حدرد. فقال ابن أبي حدرد: إن كذبتني فربما كذبت من هو خير مني. فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كنت يا عمر ضالاً فهداك الله عزّ وجلّ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعاً مئة درع، وما يصلحها من عدتها. فقال: أغصباً يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً)).
قال الحاكم: "صحيحُ الإسناد ولم يخرجاه".
وأخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/ 120) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبدالرحمن بن جابر، عن أبيه جابر. وعن عمرو بن شعيب والزهري وعبدالله بن أبي بكر بن حزم وعبدالله بن المكدم بن عبدالرحمن الثقفي، عن حديث حنين حين سار النبيّ صلى الله عليه وسلم وساروا إليه، فبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض، وقد اجتمع حديثهم، فساقه مطولاً.
وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) (8/ 27): "ولأبي داود بإسنادٍ حسنٍ من حديث سهل بن الحنظلية: أنهم ساروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين فأطنبوا السير فجاء رجلٌ فارسٌ فقال: إني انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم قد اجتمعوا إلى حنين فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله تعالى. وعند ابن إسحاق من حديث جابر ما يدل على أن هذا الرجل هو عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي".