تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن اعتمدنا الإسناد الأول فهو إسناد صحيح إلى عبدالله بن عمرو، وهو مما يرويه من الإسرائيليات التي كانت عنده.

وقد رُوي هذا عن كعب الأحبار. رواه الطبري في «التفسير» (27/ 225) عن محمد بن عوف قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا صفوان، قال: حدثنا شريح: أن كعباً كان يقول في الباب الذي في بيت المقدس: «إنه الباب الذي قال الله ﴿فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾».

قال ابن كثير في «التفسير» (4/ 310): "روي عن عبادة بن الصامت وكعب الأحبار وعلي بن الحسين زين العابدين نحو ذلك، وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى ومثالاً لذلك، لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن هذا الجدار المعين، ونفس المسجد وما وراءه من الوادي المعروف بوادي جهنم، فإن الجنة في السماوات في أعلى عليين والنار في الدركات أسفل سافلين، وقول كعب الأحبار: إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد، فهذا من إسرائيلياته وترهاته، وإنما المراد بذلك: سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة".

قلت: لم يثبت هذا عن عبادة كما سبق بيانه، وكأن الحافظ ابن كثير اعتمد صحة ما روي عنه، ولهذا قال بأن هذا محمول منهم على أنهم أرادوا تقريب المعنى، والغريب أنه جمع معهم كعب الأحبار في هذا التأويل، ثم قال بأن هذا من إسرائيلياته وترهاته!! والصواب أنه من ثبت عنه من الصحابة أنه روى هذا فإنما أخذه من كتب أهل الكتاب، ومن كعب الأحبار.

· هل سمع عثمان بن أبي سودة من أبي هريرة؟!

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (6/ 226): "عثمان بن أبي سودة عن أم الدرداء رضي الله عنها. قال محمد بن المثنى: حدثنا يوسف بن يعقوب أبو يعقوب: سمع أبا سنان عيسى بن سنان، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «قال الله: من أخذت كريمتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً إلا الجنة». قال هشام: حدثنا صدقة: حدثنا زيد بن واقد، عن عثمان بن أبي سودة: كانت أمي أم سودة لعبادة بن الصامت رضي الله عنه، وكان أبي لعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. أراه أخا زياد الشامي".

قلت: أشار البخاري في هذه الترجمة إلى جملة أمور:

1 - عدم ثبوت رواية عثمان بن أبي سودة عن أم الدرداء وهي الصغرى من التابعيات، وهو قد عاصرها، بل هو في طبقتها، ولم أقف على هذه الرواية المُشار إليها.

2 - عدم ثبوت رواية عيسى بن سنان عن عثمان، ومما تفرد به عيسى عنه هذا الحديث عن أبي هريرة.

ولا يُعرف سماع لعثمان من أبي هريرة، وأبو هريرة توفي سنة (57هـ) أو (58هـ)، فإن كان عثمان أدرك أبا هريرة إلا أنه لم يسمع منه قطعاً.

3 - وعليه فإن ما رواه أبو سنان عن عثمان فيه نظر! لأن هذه الأحاديث التي رواها عنه قد تفرد بها، ولم يتابعه عليها أحد من أهل الشام، بل إن هذه الأحاديث لا تُروى عند الشاميين من طريق أبي هريرة.

وهذا الحديث الذي ذكره البخاري هنا محفوظ من رواية أبي صالح عن أبي هريرة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة». وهو حديثٌ صحيحٌ من هذا الطريق.

4 - لم يثبت البخاري سماع عيسى بن سنان من عثمان، ولهذا قال في «التاريخ الكبير» (6/ 396): "عيسى بن سنان أبو سنان الشامي القسملي عن الضحاك بن عبدالرحمن وعثمان بن أبي سودة ويعلى بن شداد، سمع منه حماد بن سلمة وعيسى بن يونس".

قلت: وعيسى بن سنان أبو سنان الشامي الفلسطيني، ضعيف ليس بالقوي.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٥٢