وهذا الحديث وإن كان مرسلاً إلا أنه قدّم قصة البول على الدعاء، وهو المنطق أن الدعاء كان بعذ أن نهره الصحابة لما بال في المسجد، فدعا لنفسه وللنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أمر أصحابه بتركه حتى أنهى بوله، ولم يُعنّفه.
وهذه هي الرواية التي أميل إليها، ويُحتمل أنه سقط من أصل نسخة عبدالرزاق ذكر "أبي هريرة"، أو أن الزهري لما حدث به عن عبيدالله حدث به هكذا مرسلاً، وهذا تنويع كان يفعله الزهري كثيراً.
والظاهر أنّ قصة بول الأعرابي والدعاء قصة واحدة، والحديث يدور على الإمام الزهري، لكنه رواه عن ثلاثة من أصحاب أبي هريرة: سعيد بن المسيب، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، وأبي سلمة بن عبدالرحمن.
فرواه عن سعيد بن المسيب بكلا القصتين، ورواه عن عبيدالله بقصة البول فقط، ورواه عن أبي سلمة بقصة الدعاء فقط.
وتفرد الزهري عن ثلاثة من أصحاب أبي هريرة بهذا ليس بمستنكرٍ! فهو واسع الرواية.
ولما روى قصة الإفك قال: "أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعَبْدُاللَّهِ بْنُ عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنَ الحَدِيثِ، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتُ اقْتِصَاصًا فَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي بِهِ وَبَعْضُهُمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، ذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ ... ".
وقصة بول الأعرابي في المسجد مشهورة من حديث أنس بن مالك.
أخرجه البخاري في «صحيحه» (1/ 54) (221) من طريق عَبْداللَّهِ بن المبارك، وسُلَيْمَان بن بلال.
وأخرجه مسلم في «صحيحه» (1/ 236) (284) من طريق يَحْيَى بن سَعِيدٍ القَطَّان والدَّرَاوَرْدِيِّ.
وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (1/ 92) (52) من طريق عَبِيدَة بن حُميد.
وأخرجه الشافعي في «مسنده» (ص: 20)، والحميدي (2/ 307) (1230) عن سُفْيَان بن عُيَيْنَةَ.
ستتهم عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الأنصاري، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، «فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ».
وأخرجه مسلم أيضاً من طريق ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، به.
وأخرجه أيضاً من طريق عِكْرِمَة بن عَمَّارٍ، عن إِسْحَاق بن أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - وَهُوَ عَمُّ إِسْحَاقَ -، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْ مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ» فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.
ورواه مالك في «الموطأ» (1/ 64) (111) عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ، فَكَشَفَ عَنْ فَرْجِهِ لِيَبُولَ، فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ، حَتَّى عَلَا الصَّوْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتْرُكُوهُ» فَتَرَكُوهُ، فَبَالَ. ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَصُبَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ.