تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر

[الكهف: 29] قال ابن عباس: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها بمعصيته ﴿ كل نفس بما كسبت رهينة ﴾ أي كل نفس محبوسة بعملها، مرهونة عند الله بكسبها، ولا تفك حتى تؤدي ما عليها من الحقوق والعقوبات ﴿ إلا أصحاب اليمين ﴾ أي إلا فريق السعداء المؤمنين، فإنهم فكوا رقابهم وخلصوها من السجن والعذاب، بالإيمان وطاعة الرحمن ﴿ في جنات يتسآءلون * عن المجرمين ﴾ أي هم في جنات وبساتين لا يدرك وصفها، يسأل بعضهم بعضا عن حال المجرمين الذين في النار، والسؤال لزيادة تبكيت أولئك المجرمين وتوبيخهم، وإدخال الألم والحسرة على نفوسهم، يقولون لهم ﴿ ما سلككم في سقر ﴾؟ ما الذي أدخلكم جهنم، وجعلكم تذوقون سعيرها؟ قال في البحر: وسؤالهم سؤال توبيخ لهم وتحقير، وإلا فهم عالمون ما الذي أدخلهم النار ﴿ قالوا لم نك من المصلين ﴾ أي قال المجرمون مجيبين للسائلين: لم نكن من المصلين في الدنيا لرب العالمين ﴿ ولم نك نطعم المسكين ﴾ أي ولم نكن نتصدق ونحسن إلى الفقراء والمساكين قال ابن كثير: مرادهم في الآيتين: ما عبدنا ربنا، ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا ﴿ وكنا نخوض مع الخآئضين ﴾ أي وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغواية والضلالة، ونقع معهم فيما لا ينبغي من الأباطيل قال في التسهيل: والخوض هو كثرة الكلام بما لا ينبغي من الباطل وشبهه ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين ﴾ أي نكذب بيوم القيامة، وبالجزاء والمعاد، وإنما أخر التكذيب بيوم الدين تعظيما له، لأنه أعظم جرائمهم وأفحشها ﴿ حتى أتانا اليقين ﴾ أي حتى جاءنا الموت ونحن في تلك المنكرات والضلالات، قال تعالى معقبا على اعترافهم بتلك الجرائم ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ أي ليس لهم شافع ينقذهم من عذاب الله، ولو شفع لهم أهل الأرض ما قبلت شفاعتهم فيهم قال ابن كثير: من كان متصفا بمثل هذه الصفات، فإنه لا تنفعه بيوم القيامة شفاعة شافع فيه، لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلا، فأما من وافى الله كافرا فإنه مخلد في النار أبدا.

. ولما ذكر تعالى قبائحهم وشنائعهم عاد بالتوبيخ والتقريع عليهم فقال ﴿ فما لهم عن التذكرة معرضين ﴾؟ فما لهؤلاء المشركين معرضين عن القرآن وآياته، وما فيه من المواعظ البليغة والنصائح والإرشادات؟ ﴿ كأنهم حمر مستنفرة ﴾ أي كأن هؤلاء الكفار حمر وحشية نافرة وشاردة ﴿ فرت من قسورة ﴾ أي هربت ونفرت من الأسد من شدة الفزع قال في البحر: شبههم تعالى بالحمر النافرة مذمة لهم وتهجينا وقال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون إذا رأوا محمدا صلى الله عليه وسلم هربوا منه كما يهرب الحمار من الأسد ثم قال: والقسورة: الأسد ﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة ﴾ أي بل يطمع كل واحد من هؤلاء المجرمين أن ينزل عليه كتاب من الله كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ويريد أن يتنزل عليه الوحي كما تنزل على الرسل والأنبياء، والغرض من الآية بيان إمعانهم في الضلالة وكأنه يقول: دع عنك ذكر إعراضهم وغباوتهم ونفارهم نفار العجماوات مما فيه خيرهم وسعادتهم، واستمع لما هو أعجب وأغرب، وذلك طمع كل فرد منهم أن يكون رسولا يوحى إليه، وهيهات أن يصل الاشقياء إلى مراتب الأنبياء، ثم قال تعالى ﴿ كلا بل لا يخافون الآخرة ﴾ أي ليرتدعوا وينزجروا عن مثل ذلك الطمع، بل الحقيقة أنهم قوم لا يصدقون بالبعث والحساب، ولا يؤمنون بالنعيم والعذاب، وهذا هو الذي أفسدهم وجعلهم يعرضون عن مواعظ القرآن ﴿ كلا إنه تذكرة ﴾ كرر الردع والزجر لهم بقوله ﴿ كلا ﴾ ثم قال ﴿ إنه تذكرة ﴾ أي إن هذا القرآن موعظة بليغة، كافية لاتعاظهم لو أرادوا لأنفسهم السعادة ﴿ فمن شآء ذكره ﴾ أي فمن شاء اتعظ بما فيه، وانتفع بهداه ﴿ وما يذكرون إلا أن يشآء الله ﴾ أي وما يتعظون به إلا أن يشاء الله لهم الهدى فيتذكروا ويتعظوا، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وترويح عن قلبه الشريف، مما كان يخامره من إعراضهم وتكذيبهم له ﴿ هو أهل التقوى وأهل المغفرة ﴾ أي هو جل وعلا أهل لأن يتقى لشدة عقابه، وأهل لأن يغفر الذنوب لكرمه وسعة رحمته قال الألوسي: أي حقيق بأن يتقى عذابه ويطاع، وحقيق بأن يغفر لمن آمن به وأطاعه وفي الحديث عن أنس

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٧٨