وبرزت الجحيم لمن يرى
[النازعات: 36] قال الحسن: تلوح لهم من مسيرة خمسمائة عام حتى يروها عيانا فهي بارزة إلى أنظارهم، يرونها من غير استشراف ولا مد أعناق ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ أي خزنتها الموكلون عليها تسعة عشر ملكا من الزبانية الأشداء كقوله تعالى
عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
[التحريم: 6] قال ابن عباس: " ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف انسان في قعر جهنم " قال الألوسي: روي عن ابن عباس أنها لما نزلت ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة - يعني محمدا - يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم - أي العدد - الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فقال أبو الأشد الجمحي: - وكان شديد البطش - أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله ﴿ وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة ﴾ أي وما جعلنا خزنة النار إلا من الملائكة الغلاظ الشداد، ولم نجعلهم من البشر حتى يصارعوهم ويغالبوهم ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ أي لم نجعل ذلك العدد إلا سببا لفتنة وضلال المشركين، حين استقلوا بعددهم واستهزءوا حتى قال أبو جهل: أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم تخرجون من النار؟ قال الطبري: وإنما جعل الله الخبر عن عدة خزنة جهنم فتنة للكافرين، لتكذيبهم بذلك وقول بعضهم لأصحابه - على سبيل الاستهزاء - أنا أكفيكموهم ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي ليتيقن أهل الكتاب من صدق محمد، وأن هذا القرآن من عند الله، إذ يجدون هذا العدد في كتبهم المنزلة ﴿ ويزداد الذين آمنوا إيمانا ﴾ أي ويزداد المؤمنون تصديقا لله ورسوله، بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم صلى الله عليه وسلم وتسليم أهل الكتاب لما جاء في القرآن موافقا للتوراة والإنجيل ﴿ ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ﴾ أي ولا يشك أهل الكتاب والمؤمنون في عددهم، وهذا تأكيد لما قبله لأنه لما ذكر اليقين نفى عنهم الشك، فكان قوله ﴿ ولا يرتاب ﴾ مبالغة وتأكيدا، وهو ما يسميه علماء البلاغة الإطناب ﴿ وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا ﴾ أي وليقول الذين في قلوبهم شك ونفاق والكافرون من أهل مكة: أي شيء أراد الله بهذا القول العجيب، الذي هو مثل في الغرابة والبداعة؟ ولماذا يخوفنا بواسطته من سقر وخزنتها التسعة عشر؟ قال الرازي: إثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي حصول الارتياب بعد ذلك، فالمقصود من إعادة هذا الكلام هو أنه حصل لهم يقين جازم بحيث لا يحصل عقيبه البتة شك ولا ريب، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم من حال قريش أنه متى أخبرهم بهذا العدد العجيب فإنهم يستهزئون به ويضحكون منه، ولذلك بين تعالى الغاية من ذكر هذا الخبر أوضح بيان ﴿ كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء ﴾ أي مثل ما أضل الله أبا جهل وأصحابه، يضل الله عن الهداية والإيمان من أراد إضلاله، ويهدي من أراد هدايته، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ أي وما يعلم عدد الملائكة، وقوتهم وضخامة خلقهم، وكثرتهم إلا الله رب العالمين، وفي الآية رد على أبي جهل حين قال: أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر؟ ﴿ وما هي إلا ذكرى للبشر ﴾ أي وما هذه النار التي وصفها لكم الجبار، إلا موعظة وتذكرة للخلق ليخافوا ويطيعوا ﴿ كلا والقمر ﴾ ﴿ كلا ﴾ كلمة ردع وزجر ثم أقسم تعالى بالقمر على أن سقر حق، والمعنى ليرتدع أولئك المستهزئون بالوحي والقرآن عن فعلهم وسوء صنيعهم، وأقسم بالقمر ﴿ والليل إذ أدبر ﴾ أي وأقسم بالليل حين ولى بظلمته ذاهبا ﴿ والصبح إذآ أسفر ﴾ أي وبالصبح إذا تبلج وأضاء، ونشر ضياءه على الأرجاء ﴿ إنها لإحدى الكبر ﴾ أي إن جهنم لإحدى الدواهي الكبيرة، والبلايا الخطيرة، فكيف يستهزئون بها ويكذبون؟ قال أبو حيان: أقسم تعالى بهذه الأشياء تشريفا لها، وتنبيها على ما يظهر فيها من عجائب الله وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها، أقسم على أن جهنم إحدى الدواهي العظيمة التي لا نظير لها - وفي الآية إيماء إلى أن الشمس والقمر مخلوقان لله، وأنهما في حركاتهما وإدبارهما وإسفارهما، ونشوء الليل والنهار عنهما، مسخران لأمره تعالى، ساجدان بين يدي قدرته وقهره، فكيف يحسن بالبشر أن يعبدوهما ويكفروا بالإله الذي خلقهما؟ ثم قال تعالى عن جهنم ﴿ نذيرا للبشر ﴾ أي هي إنذار للخلق ليتقوا ربهم ﴿ لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر ﴾ أي لمن أراد من العباد أن يتقرب الى ربه بفعل الخيرات أو يتأخر بفعل الموبقات قال في البحر: والمراد بالتقدم والتأخر: السبق الى الخير والتخلف عنه كقوله تعالى: