تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. وبعد أن ذكر من مظاهر النعم المال والبنين عاد فعمم الخيرات الدنيوية التي أنعم بها الله عليه فقال ﴿ ومهدت له تمهيدا ﴾ أي بسطت بين يديه الدنيا بسطا، ويسرت له تكاليف الحياة، ومظاهر الجاه والعز والسيادة، فكان في قريش عزيزا منيعا، وسيدا مطاعا ﴿ ثم يطمع أن أزيد ﴾ أي ثم بعد هذا العطاء الجزيل يطمع أن أزيد له في ماله وولده وقد كفر بي قال الفخر الرازي: لفظ ﴿ ثم ﴾ هنا للإنكار والتعجب، كما تقول لصاحبك: أنزلتك داري، وأطعمتك وأكرمتك ثم أنت تشتمني!! أي ومع كل هذا الإنعام والإكرام فقد كفر وجحد، وبدل أن يشكر الوليد لربه هذا الإحسان، ويقابله بالطاعة والإيمان، عكس الأمر وقابله بالجحود والكفران ﴿ كلا ﴾ ردع وزجر أي ليرتدع هذا الفاجر الأثيم عن ذلك الطمع الفاسد، ثم علل ذلك بقوله ﴿ إنه كان لآياتنا عنيدا ﴾ أي لأنه معاند للحق، جاحد بآيات الله، مكذب لرسوله، فكيف يطمع بالزيادة هذا الشقي العنيد؟ ﴿ سأرهقه صعودا ﴾ أي سأكلفه وألجئه إلى عذاب صعب شاق لا يطاق، تضعف عنه قوته كما تضعف قوة من يصعد في الجبل قال القرطبي: ﴿ صعودا ﴾ صخرة ملساء يكلف صعودها، فإذا صار في أعلاها حدر في جهنم، فيهوي ألف عام قبل أن يبلغ قرارها وفي الحديث

" الصعود جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا، ثم يهوي فيه كذلك أبدا "

﴿ إنه فكر وقدر ﴾ أي إنه فكر في شأن النبي والقرآن، وأجال رأية وذهنه الثاقب، ثم رتب وهيأ كلاما في نفسه، ماذا يقول في القرآن؟ وبماذا يطعن فيه؟ قال تعالى دعاء عليه ﴿ فقتل كيف قدر ﴾ أي قاتله الله وأخزاه على تلك الكلمة الحمقاء التي أجالها في نفسه، حيث قال عن القرآن، إنه سحر، وقال عن محمد إنه ساحر، وفي الآية استهزاء به وتهكم، حيث قدر ما لا يصح تقديره، ولا يسوغ أن يقوله عاقل قال في البحر: يقول العرب عند استعظام الأمر والتعجب منه: قاتله الله، ومرادهم أنه قد بلغ المبلغ الذي يحسد عليه ويدعي عليه من حساده، والاستفهام في قوله ﴿ كيف قدر ﴾؟ في معنى ما أعجب تقديره وما أغربه؟ كقولهم أي رجل هذا؟ أي ما أعظمه؟ ﴿ ثم قتل كيف قدر ﴾ كرر العبارة تأكيدا لذمه وتقبيحا لحاله، ولغاية التهكم به، كأنه قال: قاتله الله ما أروع تفكيره، وأبدع رأيه الحصيف؟ حيث قال عن القرآن إنه سحر يؤثر؟ قال المفسرون: مر الوليد بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويقرأ القرآن، فاستمع لقراءته وتأثر بها، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما، ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: لقد صبأ والله الوليد، ولتصبأن قريش كلها! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى جلس إلى جانب الوليد حزينا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟! فقال: كيف لا أحزن وهذه قريش تجمع لك مالا ليعينوك به على كبر سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد وصبأت لتصيب من فضل طعامه، وتنال من ماله!! فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا وولدا؟! وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه كذبا قط؟ قالوا اللهم لا، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في نفسه ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده، وما هذا الذي يقوله إلا سحر يؤثر، فذلك قوله تعالى ﴿ إنه فكر وقدر ﴾ الآيات تركنا الوليد يفكر ويقدر، ولنرجع إليه لنرى ماذا فعل بعد، قال تعالى ﴿ ثم نظر ﴾ أي أجال النظر مرة أخرى متفكرا في شأن القرآن ﴿ ثم عبس ﴾ أي ثم قطب وجهه وكلحه ضيقا بما يقول ﴿ وبسر ﴾ أي وزاد في القبض والكلوح، كالمهتم المتفكر في أمر يدبره قال في التسهيل: البسور تقطيب الوجه وهو أشد من العبوس ﴿ ثم أدبر واستكبر ﴾ أي ثم أعرض عن الإيمان، وتكبر عن اتباع الهدى والحق ﴿ فقال إن هذآ إلا سحر يؤثر ﴾ أي فقال: ما هذا الذي يقوله محمد إلا سحر ينقله ويرويه عن السحرة ﴿ إن هذآ إلا قول البشر ﴾ أي ليس هذا كلام الله، وما هو إلا كلام المخلوقين، يخدع به محمد القلوب، ويؤثر فيها كما يؤثر السحر بالمسحور قال الألوسي: هذا كالتأكيد للجملة الأولى، لأن المقصود منهما نفي كونه قرآنا أو من كلام الله تعالى، ولذلك لم يعطف عليها بالواو، وفي وصف إشكاله واستنباطه هذا القول السخيف استهزاء به، وإشارة إلى أنه عن الحق بمعزل، ويظهر من تتبع أحوال الوليد، أنه إنما قال ذلك عنادا وحمية جاهلية، لا جهلا بحقيقة الحال، ألا ترى ثناءه على القرآن ونفيه عنه جميع ما نسبوا إليه من الشعر والكهانة والجنون!! ﴿ سأصليه سقر ﴾ أي سأدخله جهنم يتلظى حرها، ويذوق عذابها ﴿ ومآ أدراك ما سقر ﴾؟ استفهام للتهويل والتفظيع أي وما أعلمك أي شيء هي سقر؟ ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ أي لا تبقي على شيء فيها إلا أهلكته، ولا تترك أحدا من الفجار إلا أحرقته قال ابن عباس: لا تبقي من الدم والعظم واللحم شيئا، فإذا أعيد خلقهم من جديد تعاود إحراقهم بأشد مما كانت وهكذا أبدا ﴿ لواحة للبشر ﴾ أي تلوح وتظهر لأنظار الناس من مسافات بعيدة لعظمها وهولها كقوله تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٧٦