" لا يدخل الجنة نمام "
﴿ مناع للخير ﴾ أي بخيل ممسك عن الإنفاق في سبيل الله ﴿ معتد أثيم ﴾ أي ظالم متجاوز في الظلم والعدوان، كثير الآثام والإجرام، وجاءت الأوصاف ﴿ حلاف، هماز، مشاء، مناع ﴾ بصيغة المبالغة للدلالة على الكثرة ﴿ عتل ﴾ أي جاف غليظ، قاسي القلب عديم الفهم ﴿ بعد ذلك ﴾ أي بعد تلك الأوصاف الذميمة التي تقدمت ﴿ زنيم ﴾ أي ابن زنا، وهذه أشد معايبه وأقبحها، أنه لصيق دعي ليس له نسب صحيح قال المفسرون: نزلت في " الوليد بن المغيرة " فقد كان دعيا في قريش وليس منهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة - أي تبناه ونسبه لنفسه بعد أن كان لا يعرف له أب - قال ابن عباس: لا نعلم أحدا وصفه الله بهذه العيوب غير هذا، فألحق به عارا لا يفارقه أبدا، وإنما ذم بذلك لأن النطفة إذا خبثت خبث الولد، وروي أن الآية لما نزلت جاء الوليد إلى أمه فقال لها: إن محمدا وصفني بتسع صفات، كلها ظاهرة في اعرفها غير التاسع منها يريد أنه ﴿ زنيم ﴾ فإن لم تصدقيني ضربت عنقك بالسيف، فقالت له: إن أباك كان عنينا - أي لا يستطيع معاشرة النساء - فخفت على المال فمكنت راعيا من نفسي فأنت ابن ذلك الراعي، فلم يعرف أنه ابن زنا حتى نزلت الآية ﴿ أن كان ذا مال وبنين ﴾ أي لأن كان ذا مال وبنين قال في القرآن ما قال، وزعم أنه أساطير الأولين؟ وكان ينبغي أن يقابل النعمة بالشكر لا بالجحود والتكذيب ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ﴾ أي إذا قرئت آيات القرآن على ذلك الفاجر قال مستهزئا ساخرا: إنها خرافات وأباطيل المتقدمين اختلقها محمد ونسبها إلى الله، قال تعالى ردا عليه متوعدا له بالعذاب ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ أي سنجعل له علامة على أنفه بالخطم عليه يعرف بها إلى موته، وكنى بالخرطوم عن أنفه على سبيل الاستخفاف به، لأن الخرطوم للفيل والخنزير، فإذا شبه أنف الإنسان به كان ذلك غاية في الإذلال والإهانة كما يعبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، قال ابن عباس: سنخطم أنفه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش، وقد خطم يوم بدر بالسيف قال الإمام الفخر: لما كان الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لارتفاعه عليه، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة، وقالوا في الذليل: رغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين، فكيف على أكرم موضع من الوجه!! ثم ذكر تعالى قصة أصحاب الحديقة وما ابتلاهم تعالى به من إتلاف الزروع والثمار وضربه مثلا لكفار مكة فقال ﴿ إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة ﴾ أي إنا اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اختبرنا أصحاب البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، وكلفنا أهل مكة أن يشكروا ربهم على النعم، كما كلفنا أصحاب الجنة أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم قال المفسرون: كان لرجل مسلم بقرب صنعاء بستان فيه من أنواع النخيل والزروع والثمار، وكان إذا حان وقت الحصاد دعا الفقراء فأعطاهم نصيبا وافرا منه وأكرمهم غاية الإكرام فلما مات الأب ورثه أبناؤه الثلاثة فقالوا: عيالنا كثير والمال قليل ولا يمكننا أن نعطي المساكين كما كان يفعل أبونا، فتشاوروا فيما بينهم وعزموا على ألا يعطوا أحدا من الفقراء شيئا، وأن يجنوا ثمرها وقت الصباح خفية عنهم، وحلفوا على ذلك، فأرسل الله تعالى نارا على الحديقة ليلا أحرقت الأشجار وأتلفت الثمار، فلما أصبحوا ذهبوا إلى حديقتهم فلم يروا فيها شجرا ولا ثمرا، فظنوا أنهم أخطأوا الطريق، ثم تبين لهم أنها بستانهم وحديقتهم وعرفوا أن الله تعالى عاقبهم فيها بنيتهم السيئة، فندموا وتابوا بعد أن فات الأوان ﴿ إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ﴾ أي حين حلفوا ليقطعن ثمرها وقت الصباح، قبل أن يخرج اليهم المساكين ﴿ ولا يستثنون ﴾ أي ولم يقولوا إن شاء الله حين حلفوا، كأنهم واثقون من الأمر ﴿ فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون ﴾ أي فطرقها طارق من عذاب الله، وهم في غفلة عما حدث لأنهم كانوا نياما، قال الكلبي: أرسل الله عليها نارا من السماء فاحترقت وهم نائمون ﴿ فأصبحت كالصريم ﴾ أي فأصبحت كالزرع المحصود إذا أصبح هشيما يابسا قال ابن عباس: أصبحت كالرماد الأسود، قد حرموا خير جنتهم بذنبهم ﴿ فتنادوا مصبحين ﴾ أي نادى بعضهم بعضا حين أصبحوا ليمضوا على الميعاد إلى بستانهم ﴿ أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ﴾ أي اذهبوا مبكرين إلى ثماركم وزروعكم وأعنابكم إن كنتم حاصدين للثمار تريدون قطعها ﴿ فانطلقوا وهم يتخافتون ﴾ أي فانطلقوا نحو البستان وهم يخفون كلامهم خوفا من أن يشعر بهم المساكين قائلين ﴿ أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ﴾ أي لا تدخلوا في هذا اليوم أحدا من الفقراء إلى البستان ولا تمكنوه من الدخول ﴿ وغدوا على حرد قادرين ﴾ أي ومضوا على قصد وقدرة في أنفسهم يظنون أنهم تمكنوا من مرادهم قال ابن عباس: ﴿ على حرد ﴾ على قدرة وقصد وقال السدي: على حنق وغضب وقال الحسن: على فاقة وحاجة، وقول ابن عباس أظهر ﴿ فلما رأوها قالوا إنا لضآلون ﴾ أي فلما رأوا حديقتهم سوداء محترقة، قد استحالت من النضارة والبهجة إلى السواد والظلمة، قالوا لقد ضللنا الطريق إليها وليست هذه حديقتنا قال أبو حيان: كان قولهم ذلك في أول وصولهم إليها، أنكروا أنها هي واعتقدوا أنهم أخطأوا الطريق، ثم وضح لهم أنها هي وأنه أصابها من عذاب الله ما أذهب خيرها فقالوا عند ذلك ﴿ بل نحن محرومون ﴾ أي لسنا مخطئين للطريق بل نحن محرومون، حرمنا ثمرها وخيرها بجنايتنا على أنفسنا ﴿ قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾؟ أي قال أعقلهم وأفضلهم رأيا: هلا تسبحون الله فتقولون " سبحان الله " أو " إن شاء الله " قال في البحر: نبههم ووبخهم على تركهم ما حضهم عليه من التسبيح، ولو ذكروا الله وإحسانه إليهم لامتثلوا ما أمر به من مواساة المساكين، واقتفوا سنة أبيهم في ذلك، فلما غفلوا عن ذكر الله وعزموا على منع المساكين ابتلاهم الله وقال الرازي: إن القوم حين عزموا على منع الزكاة واغتروا بمالهم وقوتهم، قال الأوسط لهم توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذاب، فلما رأوا حالة البستان ذكرهم بالكلام الأول، فاشتغلوا بالتوبة ولكن بعد خراب البصرة ﴿ قالوا سبحان ربنآ إنا كنا ظالمين ﴾ أي فقالوا حينئذ: تنزه الله ربنا عن الظلم فيما فعل، بل نحن كنا الظالمين لأنفسنا في منعنا حق المساكين ﴿ فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ﴾ أي يلوم بعضهم بعضا يقول هذا أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذاك: بل أنت، ويقول آخر: أنت الذي خوفتنا الفقر ورغبتنا في جمع المال، فهذا هو التلاوم ﴿ قالوا يويلنا إنا كنا طاغين ﴾ أي قالوا يا هلاكنا وتعاستنا إن لم يغفر لنا ربنا، فقد كنا عاصين وباغين في منعنا الفقراء، وعدم التوكل على الله، فقال الرازي: والمراد أنهم استعظموا جرمهم ﴿ عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ ﴾ أي لعل الله يعطينا أفضل منها بسبب توبتنا واعترافنا بخطيئتنا ﴿ إنآ إلى ربنا راغبون ﴾ أي فنحن راجون لعفوه، طالبون لإحسانه وفضله.