. ثم شرع تعالى في بيان القصة التي حدثت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض زوجاته فقال ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ﴾ أي واذكر حين أسر النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى زوجته حفصة خبرا واستكتمها إياه قال ابن عباس: هو ما أسر إلى حفصة من تحريم الجارية على نفسه، كما أخبرها بأن الخلافة بعده تكون في أبي بكر وعمر، وطلب منها ألا تخبر بذلك أحدا ﴿ فلما نبأت به ﴾ أي فلما أخبرت بذلك السر عائشة وأفشته لها ﴿ وأظهره الله عليه ﴾ أي وأطلع الله نبيه بواسطة جبريل الأمين على إفشائها للسر ﴿ عرف بعضه وأعرض عن بعض ﴾ أي أعلمها وأخبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الحديث الذي أفشته معاتبا لها، ولم يخبرها بجميع ما حصل منها حياء منه وكرما، فإن من عادة الفضلاء التغافل عن الزلات، والتقصير في اللوم والعتاب قال الحسن: ما استقصى كريم قط، وقال سفيان: ما زال التغافل من شيم الكرام قال الخازن: المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر حفصة ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم مارية على نفسه، وأعرض عن ذكر الخلافة لأنه صلى الله عليه وسلم كره أن ينتشر ذلك في الناس ﴿ فلما نبأها به ﴾ أي فلما أخبر الرسول حفصة بأنها قد أفشت سره ﴿ قالت من أنبأك هذا ﴾ أي قالت: من أخبرك يا رسول الله بأني أفشيت سرك؟ قال أبو حيان: ظنت حفصة أن عائشة فضحتها - وكانت قد استكتمتها - فقالت من أنبأك هذا على سبيل التثبت، فأخبرها أن الله جل وعلا هو الذي نبأه به فسكتت وسلمت ﴿ قال نبأني العليم الخبير ﴾ أي فقال عليه السلام: أخبرني بذلك رب العزة، العليم بسرائر العباد، الخبير الذي لا تخفى عليه خافية ﴿ إن تتوبآ إلى الله ﴾ الخطاب لحفصة وعائشة، خاطبهما بطريق الالتفات ليكون أبلغ من معاتبتهما وحملهما على التوبة مما بدر منهما من الإيذاء لسيد الأنبياء، وجوابه محذوف تقديره أي إن تبتما كان خيرا لكما من التعاون على النبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ أي فقد زاغت ومالت قلوبكما عما يجب عليكما من الإخلاص لرسول الله، بحب ما يحبه، وكراهة ما يكرهه ﴿ وإن تظاهرا عليه ﴾ أي وإن تتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بما يسوءه، من الوقيعة بينه وبين سائر نسائه ﴿ فإن الله هو مولاه ﴾ أي فإن الله تعالى هو وليه وناصره، فلا يضره ذلك التظاهر منكما ﴿ وجبريل وصالح المؤمنين ﴾ أي وجبريل كذلك وليه وناصره، والصالحون من المؤمنين قال ابن عباس: أراد بصالح المؤمنين أبا بكر وعمر فقد كانا عونا له عليه الصلاة والسلام عليهما قال في التسهيل: معنى الآية: إن تعاونتما عليه صلى الله عليه وسلم بما يسوءه من إفراط الغيرة، وإفشاء سره ونحو ذلك، فإن له من ينصره ويتولاه، وقد ورد في الصحيح أنه لما وقع ذلك جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل، وأبو بكر وعمر معك فنزلت الآية موافقة لقول عمر ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾ أي والملائكة الأبرار بعد حضرة الله، وجبريل، وصالح المؤمنين أعوان لرسول الله صلى الله عليه وسلم على من عاداه، فماذا يفيد تظاهر امرأتين على من هؤلاء أعوانه وأنصاره؟! أفرد ﴿ جبريل ﴾ بالذكر تعظيما له، وإظهارا لمكانته عند الله تعالى فيكون قد ذكر مرتين: مرة بالإفراد، ومرة في العموم، ووسط ﴿ صالح المؤمنين ﴾ بين جبريل والملائكة تشريفا لهم، واعتناء بهم، وإشادة بفضل الصلاح، وختم الآية بذكر ﴿ الملائكة ﴾ أعظم المخلوقات وجعلهم ظهراء للنبي عليه السلام ليكون أفخم بالنبي صلوات الله عليه، وعظم مكانته، والانتصار له، إذ هم بمثابة جيش جرار، يملأ القفار، نصرة للنبي المختار، فمن ذا الذي يستطيع أن يناوىء الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك؟ ثم خوف تعالى نساء النبي بقوله ﴿ عسى ربه إن طلقكن ﴾ قال المفسرون: ﴿ عسى ﴾ من الله واجب أي حق واجب على الله إن طلقكن رسوله ﴿ أن يبدله أزواجا خيرا منكن ﴾ أي أن يعطيه عليه السلام بدلكن زوجات صالحات خيرا وأفضل منكن قال القرطبي: هذا وعد من الله تعالى لرسوله لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه نساء خيرا منهن، والله عالم بأنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته، على أن رسوله لو طلقهن، لأبدله خيرا منهن، تخويفا لهن.
صفوة التفاسير · الصفحة ٧٤٤
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
صفوة التفاسيرص ٧٤٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي