تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم حذر تعالى من عصيانه وتعدي حدوده، وضرب الأمثال بالأمم السابقة فقال ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي وكثير من أهل قرية من الأمم السالفة ﴿ عتت عن أمر ربها ورسله ﴾ أي طغت وتمردت على أوامر الله وأوامر رسله ﴿ فحاسبناها حسابا شديدا ﴾ أي فجازيناها على عصيانها وطغيانها بأنواع العذاب الأليم، من الجوع والقحط وعذاب الاستئصال ﴿ وعذبناها عذابا نكرا ﴾ أي عذابا منكرا عظيما يفوق التصور ﴿ فذاقت وبال أمرها ﴾ أي فذاقت عاقبة كفرها وطغيانها وتمردها على أوامر الله ﴿ وكان عاقبة أمرها خسرا ﴾ أي وكانت نتيجة بغيها الهلاك والدمار، والخسران الذي ما بعده خسران.. ولما ذكر ما حل بالأمم الطاغية، أمر المؤمنين بتقوى الله، تحذيرا من عقابه لئلا يصيبهم ما أصاب أولئك المجرمين فقال ﴿ أعد الله لهم عذابا شديدا ﴾ أي هيأ الله لهم في الآخرة عذاب جهنم الشديد المؤبد ﴿ فاتقوا الله يأولي الألباب ﴾ أي فخافوا الله واحذروا بطشه وانتقامه يا أصحاب العقول السليمة ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي أنتم يا معشر المؤمنين الذي صدقتم بالله ورسوله ﴿ قد أنزل الله إليكم ذكرا ﴾ أي قد أنزل الله إليكم وحيا يتلى وهو القرآن الحكيم ﴿ رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ﴾ أي وأرسل إليكم رسولا وهو محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ عليكم آيات الله، واضحات جليات، تبين الحلال والحرام وما تحتاجون إليه من الأحكام قال في البحر: والظاهر أن الذكر هو القرآن، وأن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ﴾ أي ليخرج المؤمنين المتقين، من الضلالة إلى الهدى، ومن ظلمة الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم ﴿ ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ﴾ أي ومن يصدق بالله ويعمل بطاعته ﴿ يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي يدخله في الآخرة جنات النعيم، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿ خالدين فيهآ أبدا ﴾ أي ماكثين في تلك الجنان - جنان الخلد - أبدا لا يخرجون منها ولا يموتون ﴿ قد أحسن الله له رزقا ﴾ أي قد طيب الله رزقهم في الجنة ووسعه لهم، لأن نعيمها دائم لا ينقطع قال الطبري: أي وسع لهم في الجنات الرزق، وهو ما رزقهم من المطاعم والمشارب وسائر ما أعد لأوليائه فيها فطيبه لهم، وفي الآية معنى التعجب والتعظيم لما رزق الله المؤمن من الثواب.

. ثم أشار تعالى إلى آثار قدرته، وعظيم سلطانه وجلاله فقال ﴿ الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن ﴾ أي الله العظيم الكبير هو الذي خلق بقدرته سبع سماوات طباقا، ومن الأرض كذلك خلق سبع أرضين بعضها فوق بعض بدون فتوق بخلاف السماوات ﴿ يتنزل الأمر بينهن ﴾ أي يتنزل وحي الله ويجري أمره وقضاؤه بين السماوات والأرضين ﴿ لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ﴾ أي لتعلموا أن من قدر على خلق ذلك قادر على كل شيء ﴿ وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ﴾ أي ولتعلموا أنه تعالى عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية.

البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1- الطباق ﴿ فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ﴾ وكذلك ﴿ بعد عسر يسرا ﴾.

2- الإظهار في موضع الإضمار للتهويل ﴿ وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله ﴾.

3- الالتفات لمزيد الاهتمام ﴿ لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ﴾ ورد بطريق الخطاب والأصل أن يكون بطريق الغائب " لا يدري ".

4- إيجاز الحذف ﴿ واللائي لم يحضن ﴾ حذف منه الخبر أي فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا.

5- تكرار الوعيد للتفظيع والترهيب ﴿ فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها ﴾ الآية.

6- المجاز المرسل ﴿ وكأين من قرية ﴾ يراد بها أهل القرية من باب تسمية الحال باسم المحل.

7- الاستعارة اللطيفة ﴿ ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ﴾ استعار الظلمات للضلال والكفر، واستعار النور للهدى والإيمان، وهو من روائع البيان، وجلال تعبير القرآن.

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٤٢