والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23] ﴿ ويحسبون أنهم على شيء ﴾ أي يظنون أن حلفهم في الآخرة ينفعهم وينجيهم من عذابها كما نفعهم في الدنيا بدفع القتل عنهم قال أبو حيان: والعجب منهم كيف يعتقدون أن كفرهم يخفى على علام الغيوب، ويجرونه مجرى المؤمنين في عدم اطلاعهم على كفرهم ونفاقهم، والمقصود أنهم تعودوا الكذب حتى كان على ألسنتهم في الآخرة كما كان في الدنيا ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون ﴾ أي ألا فانتبهوا أيها الناس إن هؤلاء هم البالغون في الكذب الغاية القصوى حيث تجاسروا على الكذب بين يدي علام الغيوب ﴿ استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ﴾ أي استولى على قلوبهم الشيطان وغلب عليهم وتملك نفوسهم حتى أنساهم أن يذكروا ربهم ﴿ أولئك حزب الشيطان ﴾ أي أولئك هم أتباع الشيطان وأعوانه وأنصاره ﴿ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ﴾ أي أتباع الشيطان وجنوده هم الكاملون في الخسران والضلالة، لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم الدائم وعرضوها للعذاب المقيم ﴿ إن الذين يحآدون الله ورسوله ﴾ أي يعادون الله ورسوله ويخالفون أمرهما ﴿ أولئك في الأذلين ﴾ أي أولئك في جملة الأذلاء المبعدين من رحمة الله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ أي قضى الله وحكم أن الغلبة لدينه ورسله وعباده المؤمنين ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ أي هو تعالى قوي على نصر رسله وأوليائه، غالب على أعدائه، لا يقهر ولا يغلب قال مقاتل: لما فتح الله مكة والطائف وخيبر للمؤمنين قالوا: نرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن سلول: أتظنون أن الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟! والله إنهم لأكثر عددا، وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك فنزلت ﴿ تب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ ﴿ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ﴾ أي لا يمكن أن ترى أيها السامع جماعة يصدقون بالله وباليوم الآخر يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله وخالف أمرهما، لأن من أحب الله عادى أعداءه، ولا يجتمع في قلب واحد حب الله وحب أعدائه، كما لا يجتمع النور والظلام قال المفسرون: غرض الآية النهي عن مصادقة ومحبة الكفرة والمجرمين، ولكنها جاءت بصورة إخبار مبالغة في النهي والتحذير قال الإمام الفخر: المعنى أنه لا يجتمع الإيمان مع حب أعداء الله، وذلك لأن من أحب أحدا امتنع أن يحب عدوه، لأنهما لا يجتمعان في القلب، فإذا حصل في القلب مودة أعداء الله لم يحصل فيه الإيمان ﴿ ولو كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ﴾ أي ولو كان هؤلاء المحادون لله ورسوله أقرب الناس إليهم، كالآباء، والأبناء، والإخوان، والعشيرة، فإن قضية الإيمان بالله تقتضي معاداة أعداء الله قال في البحر: بدأ بالآباء لأن طاعتهم واجبة على الأولاد، ثم بالأبناء لأنهم أعلق بالقلوب، ثم بالإخوان لأنهم بهم التعاضد، ثم بالعشيرة لأن بهم التناصر والمقاتلة والتغلب على الأعداء كما قال القائل:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهانا
قال ابن كثير: نزلت ﴿ ولو كانوا آبآءهم ﴾ في " أبي عبيدة " قتل أباه الجراح يوم بدر، ﴿ أو أبنآءهم ﴾ في الصديق هم بقتل ابنه " عبد الرحمن بن أبي بكر " ﴿ أو إخوانهم ﴾ في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ ﴿ أو عشيرتهم ﴾ في حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة يوم بدر ﴿ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ أي أثبت الإيمان ومكنه في قلوبهم، فهي مؤمنة موقنة مخلصة ﴿ وأيدهم بروح منه ﴾ أي وقواهم بنصره وتأييده قال ابن عباس: نصرهم على عدوهم، وسمى ذلك النصر روحا لأن به يحيا أمرهم ﴿ ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي ويدخلهم في الآخرة بساتين فسيحة، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿ خالدين فيها ﴾ أي ماكثين فيها أبد الآبدين ﴿ رضي الله عنهم ورضوا عنه ﴾ أي قبل الله أعمالهم فرضي عنهم، ونالوا ثوابه فرضوا بما أعطاهم، وإنما ذكر رضوانه عليهم بعد دخولهم الجنة لأنه أعظم النعم، وأجل المراتب قال ابن كثير: وفي الآية سر بديع وهو أنهم لما سخطوا على الأقارب والعشائر في الله تعالى، عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم ﴿ أولئك حزب الله ﴾ أي أولئك جماعة الله وخاصته وأولياؤه ﴿ ألا إن حزب الله هم المفلحون ﴾ أي هم الفائزون بخيري الدنيا والآخرة، وهذا في مقابلة قوله تعالى ﴿ أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ﴾.