تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" وألا يمس القرآن إلا طاهر "

﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ أي منزل من عند الله جل وعلا.. ثم لما عظم أمر القرآن ومجد شأنه وبخ الكفار فقال ﴿ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ﴾ أي أفبهذا القرآن يا معشر الكفار تكذبون وتكفرون؟ ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ أي وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون برازقكم، وهو المنعم المتفضل عليكم؟ ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ أي فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم عند معالجة سكرات الموت ﴿ وأنتم حينئذ تنظرون ﴾ أي وأنتم في ذلك الوقت تنظرون إلى المحتضر وما يكابده من شدائد وأهوال ﴿ ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ﴾ أي ونحن بعلمنا واطلاعنا أقرب إلى الميت منكم ولكن لا تعلمون ذلك، ولا تبصرون ملائكتنا الذين حضروه لقبض روحه قال ابن كثير: ومعنى الآية ملائكتنا أقرب إليه منكم ولكن لا ترونهم كما قال تعالى

حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون

[الأنعام: 61] ﴿ فلولا إن كنتم غير مدينين ﴾ أي فهلا إن كنتم غير مجزيين بأعمالكم كما تزعمون ﴿ ترجعونهآ إن كنتم صادقين ﴾ أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعد ما بلغت الحلقوم قال ابن عباس: ﴿ غير مدينين ﴾ أي غير محاسبين ولا مجزيين قال الخازن: أجاب عن قوله ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ وعن قوله ﴿ فلولا إن كنتم غير مدينين ﴾ بجواب واحد وهو قوله ﴿ ترجعونهآ إن كنتم صادقين ﴾ ومعنى الآية: إن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث ولا حساب، ولا إله يجازي، فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله تعالى فآمنوا به.. ثم ذكر تعالى طبقات الناس عند الموت وعند البعث، وبين درجاتهم في الآخرة فقال ﴿ فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنت نعيم ﴾ أي فأما إن كان هذا الميت من المحسنين السابقين بالدرجات العلا، فله عند ربه استراحة ورزق حسن وجنة واسعة يتنعم فيها قال القرطبي: والمراد بالمقربين السابقون المذكورون في أول السورة ﴿ وأمآ إن كان من أصحاب اليمين ﴾ أي وأما إن كان المحتضر من السعداء أهل الجنة الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم ﴿ فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ أي فسلام لك يا محمد منهم، لأنهم في راحة وسعادة ونعيم ﴿ وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين ﴾ أي وأما إن كان المحتضر من المنكرين للبعث، الضالين عن الهدى والحق ﴿ فنزل من حميم ﴾ أي فضيافتهم التي يكرمون بها أول قدومهم، الحميم الذي يصهر البطون لشدة حرارته قال في التسهيل: النزل أول شيء يقدم للضيف ﴿ وتصلية جحيم ﴾ أي ولهم إصلاء بنار جهنم وإذاقة لهم من حرها ﴿ إن هذا لهو حق اليقين ﴾ أي إن هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من جزاء السابقين، والسعداء، والأشقياء لهو الحق الثابت الذي لا شك فيه ولا ريب، وهو عين اليقين الذي لا يمكن إنكاره ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ أي فنزه ربك عن النقص والسوء، وعما يصفه به الظالمون، لما نزلت هذه الآية الكريمة قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ قال صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في سجودكم ".

البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1- جناس الاشتقاق

إذا وقعت الواقعة

[الواقعة: 1] والجناس الناقص في قوله ﴿ فروح وريحان ﴾.

2- الطباق بين ﴿ الميمنة.. و المشأمة ﴾ وبين ﴿ الأولين.. والآخرين ﴾ وبين ﴿ خافضة.. رافعة ﴾ وفي إسناد الخفض والرفع إلى القيامة مجاز عقلي، لأن الخافض والرافع على الحقيقة هو الله وحده، يرفع أولياءه ويخفض أعداءه، ونسب إلى القيامة مجازا كقولهم " نهاره صائم ".

3- التشبيه المرسل المجمل

حور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون

[الواقعة: 2223] أي كأمثال اللؤلؤ في بياضه وصفائه، حذف منه وجه الشبه فهو مرسل مجمل.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٩٩