تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا "

﴿ أفرأيتم النار التي تورون ﴾ أي أخبروني عن النار التي تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرطب ﴿ أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون ﴾ أي هل أنتم الذين خلقتم شجرها أم نحن الخالقون المخترعون؟ قال ابن كثير: وللعرب شجرتان: إحداهما المرخ، والأخرى العفار، إذا أخذ منهما غصنان أخضران، فحك أحدهما بالآخر تناثر من بينهما شرر النار، وقيل: أراد جميع الشجر الذي توقد منه النار، لما روي عن ابن عباس أنه قال: ما من شجرة ولا عود إلا وفيه النار سوى العناب ﴿ نحن جعلناها تذكرة ﴾ أي جعلنا نار الدنيا تذكيرا للنار الكبرى " نار جهنم " إذا رآها الرائي ذكر بها نار جهنم، فيخشى الله ويخاف عقابه وفي الحديث

" ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، فقالوا يا رسول الله: إن كانت لكافية!! فقال: والذي نفسي بيده لقد فضلت عليها بتسعة وتسعين جزءا، كلهن مثل حرها "

﴿ ومتاعا للمقوين ﴾ أي ومنفعة للمسافرين قال ابن عباس: ﴿ المقوين ﴾ المسافرين، وقال مجاهد: للحاضر والمسافر، المستمتعين بالنار من الناس أجمعين قال الخازن: والمقوي النازل في الأرض القواء - وهي الأرض الخالية البعيدة عن العمران - والمعنى أنه ينتفع بها أهل البوادي والسفار، فإن منفعتهم أكثر من المقيم، فإنهم يوقدون النار بالليل لتهرب السباع ويهتدي بها الضال إلى غير ذلك من المنافع وهو قول أكثر المفسرين.. ولما ذكر دلائل القدرة والوحدانية في الإنسان، والنبات، والماء، والنار، أمر رسوله بتسبيح الله الواحد القهار فقال ﴿ فسبح باسم ربك العظيم ﴾ أي فنزه يا محمد ربك عما أضافه إليه المشركون من صفات العجز والنقص وقل: سبحان من خلق هذه الأشياء بقدرته، وسخرها لنا بحكمته، سبحانه ما أعظم شأنه، وأكبر سلطانه!! عدد سبحانه وتعالى نعمه على عباده، فبدأ بذكر خلق الإنسان فقال ﴿ أفرأيتم ما تمنون ﴾ ثم بما به قوامه ومعيشته وهو الزرع فقال ﴿ أفرأيتم ما تحرثون ﴾ ثم بما به حياته وبقاؤه وهو الماء فقال ﴿ أفرأيتم المآء الذي تشربون ﴾ ثم بما يصنع به طعامه، ويصلح به اللحوم والخضار وهو النار فقال ﴿ أفرأيتم النار التي تورون ﴾ فيا له من إله كريم، ومنعم عظيم!! ثم شرع بالقسم على جلال القرآن ورفعته، وعلو شأنه ومنزلته، وأنه تنزيل العزيز الحكيم فقال ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ اللام لتأكيد الكلام وتقويته، وزيادة " لا " كثير في كلام العرب ومشهور قال الشاعر:

تذكرت ليلى فاعترتني صبابة

وكاد نياط القلب لا يتقطع

اي كاد يتقطع قال القرطبي: " لا " صلة في قول أكثر المفسرين والمعنى " فأقسم " بدليل قوله بعده ﴿ وإنه لقسم ﴾ أي فأقسم بمنازل النجوم وأماكن دورانها في أفلاكها وبروجها ﴿ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ أي وإن هذا القسم العظيم جليل، لو عرفتم عظمته لآمنتم وانتفعتم به، لما في المقسم به من الدلالة على عظيم القدرة، وكمال الحكمة، وفرط الرحمة، ومن مقتضيات رحمته تعالى أن لا يترك عباده سدى ﴿ إنه لقرآن كريم ﴾ هذا هو المقسم عليه، والمعنى أقسم بمواقع النجوم إن هذا القرآن قرآن كريم، ليس بسحر ولا كهانة وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم مجيد، جعله الله معجزة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو كثير المنافع والخيرات والبركات ﴿ في كتاب مكنون ﴾ أي في كتاب مصون عند الله تعالى، محفوظ عن الباطل وعن التبديل والتغيير قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ، وقال مجاهد: هو المصحف الذي بأيدينا ﴿ لا يمسه إلا المطهرون ﴾ أي لا يمس ذلك الكتاب المكنون إلا المطهرون، وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة من الشرك والذنوب والأحداث، أو لا يمسه إلا من كان متوضئا طاهرا قال القرطبي المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا وهو الأظهر لقول ابن عمر " لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر " ولكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٩٨