" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا، فقال: مالي أسمع الجن أحسن جوابا لربها منكم؟ ما أتيت على قول الله تعالى ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إلا قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد "
. ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته فقال ﴿ خلق الإنسان من صلصال كالفخار ﴾ أي خلق أباكم آدم من طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا نقر قال المفسرون: ذكر تعالى في هذه السورة أنه خلق آدم ﴿ من صلصال كالفخار ﴾ وفي سورة الحجر
من صلصال من حمإ مسنون
[الحجر: 26] أي من طين أسود متغير، وفي الصافات
من طين لازب
[الصافات: 11] أي يلتصق باليد، وفي آل عمران
كمثل ءادم خلقه من تراب
[آل عمران: 59] ولا تنافي بينهما، وذلك لأن الله تعالى أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء فصار طينا لازبا أي متلاصقا يلصق باليد، ثم تركه حتى صار حمأ مسنونا أي طينا أسود منتنا، ثم صوره كما تصور الأواني ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة كالفخار إذا نقر صوت، فالمذكور ههنا آخر الأطوار ﴿ وخلق الجآن من مارج من نار ﴾ أي وخلق الجن من لهب خالص لا دخان فيه من النار قال ابن عباس: ﴿ من مارج ﴾ أي لهب خالص لا دخان فيه وقال مجاهد: هو اللهب المختلط بسواد النار، وفي الحديث
" خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم "
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ أي فبأي نعم الله يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ قال أبو حيان: والتكرار في هذه الفواصل للتأكيد والتنبيه والتحريك، وقال ابن قتيبة: إن هذا التكرار إنما هو لاختلاف النعم، فكلما ذكر نعمة كرر قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ وقد ذكرت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقريع والتوبيخ ﴿ رب المشرقين ورب المغربين ﴾ أي هو جل وعلا رب مشرق الشمس والقمر، ورب مغربهما، ولما ذكر الشمس والقمر في قوله ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ ذكر هنا أنه رب مشرقهما ومغربهما ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ أي فبأي نعم الله التي لا تحصى تكذبان؟ ﴿ مرج البحرين يلتقيان ﴾ أي أرسل البحر الملح والبحر العذب يتجاوران ويلتقيان ولا يمتزجان ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ أي بينهما حاجز من قدرة الله تعالى لا يطغى أحدهما على الآخر بالممازجة قال ابن كثير: والمراد بالبحرين: الملح والحلو، فالملح هذه البحار، والحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس، وجعل الله بينهما برزخا وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا فيفسد كل واحد منهما الآخر ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ أي فبأي نعم الله تكذبان؟ ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ أي يخرج لكم من الماء اللؤلؤ والمرجان، كما يخرج من التراب الحب والعصف والريحان، قال الألوسي: واللؤلؤ صغار الدر، والمرجان كباره قاله ابن عباس، وعن ابن مسعود أن المرجان الخرز الأحمر، والآية بيان لعجائب صنع الله حيث يخرج من الماء الملح أنواع الحلية كالدر والياقوت والمرجان، فسبحان الواحد المنان ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ أي فبأي نعمة من نعم الله تكذبان؟ ﴿ وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام ﴾ أي وله جل وعلا السفن المرفوعات الجاريات في البحر كالجبال في العظم والضخامة قال القرطبي: ﴿ كالأعلام ﴾ أي كالجبال، والعلم الجبل الطويل، فالسفن في البحر كالجبال في البر، ووجه الامتنان بها أن الله تعالى سير هذه السفن الضخمة التي تشبه الجبال على وجه الماء، وهو جسم لطيف مائع يحمل فوقه هذه السفن الكبار المحملة بالأرزاق والمكاسب والمتاجر من قطر إلى قطر، ومن إقليم إلى إقليم قال شيخ زاده: واعلم أن أصول الأشياء أربعة: التراب، والماء، والهواء، والنار، فبين تعالى بقوله ﴿ خلق الإنسان من صلصال ﴾ أن التراب أصل لمخلوق شريف مكرم، وبين قوله ﴿ وخلق الجآن من مارج من نار ﴾ أن النار أيضا أصل لمخلوق آخر عجيب الشأن، وبين بقوله ﴿ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ أن الماء أيضا أصل لمخلوق آخر له قدر وقيمة، ثم ذكر أن الهواء له تأثير عظيم في جري السفن المشابهة للجبال فقال ﴿ وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام ﴾ وخص السفن بالذكر لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك حيث يقولون: " لك الفلك ولك الملك " وإذا خافوا الغرق دعوا الله تعالى خاصة