. ثم أخبر تعالى عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام - وهي رؤيا حق - لأنها جزء من الوحي فقال ﴿ لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق ﴾ اللام موطئة للقسم، و " قد " للتحقيق أي والله لقد جعل الله رؤيا رسوله صادقة محققة لم يدخلها الشيطان لأنها رؤيا حق قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه أنه دخل مكة هو وأصحابه وطافوا بالبيت، ثم حلق بعضهم وقصر بعضهم، فحدث بها أصحابه ففرحوا واستبشروا، فلما خرج إلى الحديبية مع الصحابة، وصده المشركون عن دخول مكة، ووقع ما وقع من قضية الصلح، ارتاب المنافقون وقالوا: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا البيت، فأين هي الرؤيا؟ ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء فنزلت الآية ﴿ لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق ﴾ فأعلم تعالى أن رؤيا رسوله حق، وأنه لم يكذب فيما رأى، ولكنه ليس في الرؤيا أنه يدخلها عام ست من الهجرة، وإنما أراه مجرد صورة الدخول، وقد حقق الله له ذلك بعد عام فذلك قوله تعالى ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله ﴾ أي لتدخلن يا محمد أنت وأصحابك المسجد الحرام بمشيئة الله ﴿ آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين ﴾ أي تدخلونها آمنين من العدو، تؤدون مناسك العمرة ثم يحلق بعضكم رأسه، ويقصر بعض ﴿ لا تخافون ﴾ أي غير خائفين، وليس فيه تكرار لان المراد آمنين وقت دخولكم، وحال المكث، وحال الخروج ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ أي فعلم تعالى ما في الصلح من الحكمة والخير والمصلحة لكم ما لم تعلموه أنتم قال ابن جزي: يريد ما قدره تعالى من ظهور الإسلام في تلك المدة، فإنه لما انعقد الصلح وارتفعت الحرب، رغب الناس في الإسلام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية في ألف وأربعمائة، وغزا " غزوة الفتح " بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف ﴿ فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ﴾ أي فجعل قبل ذلك فتحا عاجلا لكم وهو " صلح الحديبية " وسمي فتحا لما ترتب عليه من الآثار الجليلة، والعواقب الحميدة، ولهذا روى البخاري
" عن البراء رضي الله عنه: " تعدون أنتم الفتح " فتح مكة " وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح " بيعة الرضوان " يوم الحديبية.. "
الحديث ﴿ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ﴾ أي هو جل وعلا الذي أرسل محمدا بالهداية التامة الشاملة الكاملة، والدين الحق المستقيم دين الإسلام ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ أي ليعليه على جميع الأديان، ويرفعه على سائر الشرائع السماوية ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ أي وكفى بالله شاهدا على أن محمدا رسوله.
. ثم أثنى تعالى على أصحاب رسول الله بالثناء العاطر، وشهد لرسوله بصدق الرسالة فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ أي هذا الرسول المسمى محمدا هو رسول الله حقا لا كما يقول المشركون ﴿ والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم ﴾ أي وأصحابه الأبرار الأخيار غلاظ على الكفار متراحمون فيما بينهم كقوله تعالى
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين
[المائدة: 54] قال أبو السعود: أي يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة قال المفسرون: وذلك لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم
وليجدوا فيكم غلظة
[التوبة: 123] وقد بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تمس أبدانهم، وكان الواحد منهم إذا رأى أخاه في الدين صافحه وعانقه ﴿ تراهم ركعا سجدا ﴾ أي تراهم أيها السامع راكعين ساجدين من كثرة صلاتهم وعبادتهم، رهبان بالليل أسود بالنهار ﴿ يبتغون فضلا من الله ورضوانا ﴾ أي يطلبون بعبادتهم رحمة الله ورضوانه قال ابن كثير: وصفهم بكثرة الصلاة وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص لله عز وجل والاحتساب عنده بجزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله ورضاه ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ أي علامتهم وسمتهم كائنة في جباههم من كثرة السجود والصلاة قال القرطبي: لاحت في وجوههم علامات التهجد بالليل وأمارات السهر، قال ابن جريج: هو الوقار والبهاء، وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع، قال منصور سألت مجاهدا عن قوله تعالى ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ أهو أثر يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنه نور في وجوههم من الخشوع ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ أي ذلك وصفهم في التوراة: الشدة على الكفار، والرحمة بالمؤمنين، وكثرة الصلاة والسجود ﴿ ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه ﴾ أي ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج فراخه وفروعه ﴿ فآزره فاستغلظ ﴾ أي فقواه حتى صار غليظا ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ أي فقام الزرع واستقام على أصوله ﴿ يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ﴾ أي يعجب هذا الزرع الزراع، بقوته وكثافته وحسن منظره، ليغتاظ بهم الكفار قال الضحاك: هذا مثل في غاية البيان، فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم، والشطء أصحابه، كانوا قليلا فكثروا، وضعفاء فقووا، وقال القرطبي: وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعوة ضعيفا، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفا فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ نباته، وأفراخه، فكان هذا من أصح مثل وأقوى بيان ﴿ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ﴾ أي وعدهم تعالى بالآخرة بالمغفرة التامة والأجر العظيم والرزق الكريم في جنات النعيم، اللهم ارزقنا محبتهم يا رب العالمين.