تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ﴾ أي ليس على هؤلاء إثم أو ذنب في ترك الخروج للجهاد لما بهم من الأعذار الظاهرة ﴿ ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي من يطع أمر الله وأمر الرسول يدخله جنات النعيم خالدا فيها ﴿ ومن يتول يعذبه عذابا أليما ﴾ أي ومن ينكل عن الجهاد لغير عذر يعذبه الله عذابا شديدا، في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار.

48.18-29

المناسبة: لما ذكر تعالى حال المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر تعالى حال المؤمنين المجاهدين الذين بايعوا الرسول " بيعة الرضوان " تسجيلا لرضى الله تعالى عنهم، وتخليدا لمآثرهم الكريمة، وختم السورة الكريمة بالثناء على الصحابة الأبرار، بأبلغ ثناء وأكرم تمجيد.

اللغة: ﴿ أظفركم ﴾ أظهركم وأعلاكم، ظفر بالشيء غلب عليه، وأظفره غلبه ﴿ معكوفا ﴾ محبوسا ومنه الاعتكاف ﴿ معرة ﴾ المعرة: العيب والمشقة اللاصقة بالإنسان من العر وهو الجرب ﴿ تزيلوا ﴾ تميزوا ﴿ الحمية ﴾ الأنفة والغضب الشديد ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ شطأه ﴾ الشطء: الفراخ قال الجوهري: شطء الزرع والنبات فراخه والجمع أشطاء ﴿ آزره ﴾ قواه وأعانه وشده.

سبب النزول: عن أنس رضي الله عنه أن ثمانين من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم من التنعيم متسلحين يريدون الغدر به وبأصحابه فأخذناهم أسرى فأنزل الله تعالى ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة... ﴾ الآية.

التفسير: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ اللام موطئة لقسم محذوف أي والله لقد رضي الله عن المؤمنين حين بايعوك يا محمد " بيعة الرضوان " تحت ظل الشجرة بالحديبية قال المفسرون: كان سبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ الحديبية أرسل عثمان بن عفان إلى أهل مكة يخبرهم أنه إنما جاء معتمرا، وأنه لا يريد حربا، فلما ذهب عثمان حبسوه عندهم، وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة على أن يدخلوا مكة حربا، وبايعوه على الموت، فكانت بيعة الرضوان، فلما بلغ المشركين ذلك أخذهم الرعب وأطلقوا عثمان وطلبوا الصلح من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يأتي في العام القابل، ويدخلها ويقيم فيها ثلاثة أيام، وكانت هذه البيعة تحت شجرة سمرة بالحديبية وقد سميت " بيعة الرضوان " ولما رجع المسلمون يعلوهم الحزن والكآبة، أراد الله تسليتهم وإذهاب الحزن عنهم فأنزل هذه السورة على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من الحديبية

إنا فتحنا لك فتحا مبينا

[الفتح: 1] وكان عدد الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفا وأربعمائة رجل، وفيهم نزلت الآية الكريمة ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ ولم يتخلف عن البيعة إلا " الجد ابن قيس " من المنافقين، وحضر هذه البيعة روح القدس جبريل الأمين، ولهذا سطرت في الكتاب المبين ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ أي فعلم تعالى ما في قلوبهم من الصدق والوفاء، عند مبايعتهم لك على حرب الأعداء ﴿ فأنزل السكينة عليهم ﴾ أي رزقهم الطمأنينة وسكون النفس عند البيعة ﴿ وأثابهم فتحا قريبا ﴾ أي وجازاهم على بيعة الرضوان بفتح خيبر، وما فيها من النصر والغنائم، زيادة على ثواب الآخرة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ أي وجعل لهم الغنائم الكثيرة التي غنموها من خيبر قال ابن كثير: هو ما أجرى الله عز وجل على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام بفتح خبير، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى ﴿ وكان الله عزيزا حكيما ﴾ أي غالبا على أمره، حكيما في تدبيره وصنعه، ولهذا نصركم عليهم وغنمكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ﴾ أي وعدكم الله معشر المؤمنين - على جهادكم وصبركم - الفتوحات الكثيرة، والغنائم الوفيرة تأخذونها من أعدائكم، قال ابن عباس: هي المغانم التي تكون إلى يوم القيامة قال في البحر: ولقد اتسع نطاق الإسلام، وفتح المسلمون فتوحا لا تحصى، وغنموا مغانم لا تعد وذلك في شرق البلاد وغربها، حتى في الهند والسودان - تصديقا لوعده تعالى - وقدم علينا أحد ملوك غانة من بلاد التكرور، وقد فتح أكثر من خمسة وعشرين مملكة من بلاد السودان، وأسلموا معه وقدم علينا ببعض ملوكهم يحج معه ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ أي فعجل لكم غنائم خيبر بدون جهد وقتال ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ أي ومنع أيدي الناس أن تمتد إليكم بسوء قال المفسرون: المراد أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان، حين جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرغب ﴿ ولتكون آية للمؤمنين ﴾ أي ولتكون الغنائم، وفتح مكة، ودخول المسجد الحرام علامة واضحة تعرفون بها صدق الرسول فيما أخبركم به عن الله ﴿ ويهديكم صراطا مستقيما ﴾ أي ويهديكم تعالى إلى الطريق القويم، الموصل إلى جنات النعيم بجهادكم وإخلاصكم قال الإمام الفخر: والآية للإشارة إلى أن ما أعطاهم من الفتح والمغانم، ليس هو كل الثواب، بل الجزاء أمامهم، وإنما هي شيء عاجل عجله لهم لينتفعوا به، ولتكون آية لمن بعدهم من المؤمنين، تدل على صدق وعد الله في وصول ما وعدهم به كما وصل إليكم ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ أي وغنيمة أخرى يسرها لكم، لم تكونوا بقدرتكم تستطيعون عليها، ولكن الله بفضله وكرمه فتحها لكم، والمراد بها فتح مكة ﴿ قد أحاط الله بها ﴾ أي قد استولى الله عليها بقدرته ووهبها لكم، فهي كالشيء المحاط به من جوانبه محبوس لكم لا يفوتكم ﴿ وكان الله على كل شيء قديرا ﴾ أي قادرا على كل شيء، لا يعجزه شيء أبدا، فهو القادر على نصرة أوليائه، وهزم أعدائه قال ابن كثير: المعنى أي وغنيمة أخرى وفتحا آخر معينا، لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسرها الله عليكم وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين من حيث لا يحتسبون والمراد بها في هذه الآية " فتح مكة " وهو اختيار الطبري ﴿ ولو قتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ﴾ تذكير لهم بنعمة أخرى أي ولو قاتلكم أهل مكة ولم يقع الصلح بينكم وبينهم، لغلبوا وانهزموا أمامكم ولم يثبتوا ﴿ ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ﴾ أي ثم لا يجدون من يتولى أمرهم بالحفظ والرعاية، ولا من ينصرهم من عذاب الله ﴿ سنة الله التي قد خلت من قبل ﴾ أي تلك طريقة الله وعادته التي سنها فيمن مضى من الأمم، من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين قال في البحر: أي سن الله لأنبيائه ورسله سنة قديمة وهي قوله

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٥٦