تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من يطع الرسول فقد أطاع الله

[النساء: 80] ﴿ فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي فمن نقض البيعة فإنما يعود ضرر نكثه عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب بنقضه العهد والميثاق الذي عاهد به ربه ﴿ ومن أوفى بما عاهد عليه الله ﴾ أي ومن وفى بعهده ﴿ فسيؤتيه أجرا عظيما ﴾ أي فسيعطيه الله ثوابا جزيلا، وهو الجنة دار الأبرار ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب ﴾ أي سيقول لك يا محمد المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج معك عام الحديبية من أعراب المدينة ﴿ شغلتنآ أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ أي شغلنا عن الخروج معك بالأموال والأولاد، فاطلب لنا من الله المغفرة، لأن تخلفنا لم يكن باختيار بل عن اضطرار قال في التسهيل: سماهم تعالى بالمخلفين لأنهم تخلفوا عن غزوة الحديبية، - والأعراب هم أهل البوادي من العرب - لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة يعتمر، رأوا أنه يستقبل عدوا كثيرا من قريش وغيرهم فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن إيمانهم متمكنا فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر، ففضحهم الله في هذه السورة وأعلم تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم ﴿ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ﴾ اي يقولون خلاف ما يبطنون وهذا هو النفاق المحض، فهم كاذبون في الاعتذار وطلب الاستغفار، لأنهم قالوه رياء من غير صدق ولا توبة ﴿ قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ﴾؟ أي قل لهم: من يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، إن أراد أن يلحق بكم أمرا يضركم كالهزيمة، أو أمرا ينفعكم كالنصر والغنيمة؟ قال القرطبي: وهذا رد عليهم حين ظنوا ان التخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيرا ﴾ أي ليس الأمر كما زعمتم بل الله مطلع على ما في قلوبكم من الكذب والنفاق، ثم أظهر تعالى ما يخفونه في نفوسهم فقال ﴿ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ﴾ أي بل ظننتم أيها المنافقون أن محمدا وأصحابه لن يرجعوا إلى المدينة أبدا ﴿ وزين ذلك في قلوبكم ﴾ أي وزين ذلك الضلال في قلوبكم ﴿ وظننتم ظن السوء ﴾ أي ظننتم أنهم يستأصلون بالقتل، ولا يرجع منهم أحد ﴿ وكنتم قوما بورا ﴾ أي وكنتم قوما هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه ﴿ ومن لم يؤمن بالله ورسوله ﴾ لما بين حال المتخلفين عن رسول الله، وبين حال ظنهم الفاسد، وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر، حرضهم على الإيمان والتوبة على سبيل العموم والمعنى من لم يؤمن بالله ورسوله بطريق الإخلاص والصدق ﴿ فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا ﴾ أي فإنا هيأنا للكافرين نارا شديدة مستعرة، وهو وعيد شديد للمنافقين ﴿ ولله ملك السموت والأرض ﴾ أي له جل وعلا جميع ما في السماوات والأرض، يتصرف في الكل كيف يشاء ﴿ يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ﴾ أي يرحم من يشاء من عباده ويعذب من يشاء، وهذا قطع لطمعهم في استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ أي واسع المغفرة عظيم الرحمة ﴿ سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ﴾ أي سيقول الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله في عمرة الحديبية، عند ذهابكم إلى مغانم خيبر لتحصلوا عليها ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ أي اتركونا نخرج معكم إلى خيبر لنقاتل معكم ﴿ يريدون أن يبدلوا كلام الله ﴾ أي يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعده لأهل الحديبية من جعل غنائم خيبر لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد قال القرطبي: إن الله تعالى جعل لأهل الحديبية غنائم خيبر عوضا عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ أي قل لهم لا تتبعونا فلن يكون لكم فيها نصيب ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي كذلكم حكم الله تعالى بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب قبل رجوعنا منها ﴿ فسيقولون بل تحسدوننا ﴾ أي فسيقولون ليس هذا من الله بل هو حسد منكم لنا على مشاركتكم في الغنيمة، قال تعالى ردا عليهم ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ﴾ أي لا يفهمون إلا فهما قليلا وهو حرصهم على الغنائم وأمور الدنيا ﴿ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ أي قل لهؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية كرر وصفهم بهذا الإسم إظهارا لشناعته ومبالغة في ذمهم - ستدعون إلى حرب قوم أشداء، هم بنو حنيفة - قوم مسيلمة الكذاب - أصحاب الردة ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ أي إما أن تقتلوهم أو يدخلوا في دينكم بلا قتال ﴿ فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ﴾ أي فإن تستجيبوا وتخرجوا لقتالهم يعطكم الله الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة ﴿ وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ﴾ أي وإن تتخلفوا عن الخروج كما تخلفتم زمن الحديبية، يعذبكم الله عذابا شديدا مؤلما في نار جهنم.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٥٥