.الخ. ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ أي ليدخلهم - على طاعتهم وجهادهم - حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحتها أنهار الجنة ماكثين فيها أبدا ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ أي ويمحو عنهم خطاياهم وذنوبهم ﴿ وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ﴾ أي وكان ذلك الإدخال في الجنات والتكفير عن السيئات، فوزا كبيرا وسعادة لا مزيد عليها، إذ ليس بعد نعيم الجنة نعيم ﴿ ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ﴾ أي وليعذب الله أهل النفاق والإشراك، وقدمهم على المشركين لأنهم أعظم خطرا وأشد ضررا من الكفار المجاهرين بالكفر ﴿ الظآنين بالله ظن السوء ﴾ أي الظانين بربهم أسوأ الظنون، ظنوا أن الله تعالى لن ينصر رسوله والمؤمنين، وأن المشركين يستأصلونهم جميعا كما قال تعالى ﴿ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ﴾ قال القرطبي: ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إلى المدينة ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية ﴿ عليهم دآئرة السوء ﴾ دعاء عليهم أي عليهم ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين من الهلاك والدمار ﴿ وغضب الله عليهم ولعنهم ﴾ أي سخط تعالى عليهم بكفرهم ونفاقهم، وأبعدهم عن رحمته ﴿ وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا ﴾ أي وهيأ لهم في الآخرة نارا مستعرة هي نار جهنم، وساءت مرجعا ومنقلبا لأهل النفاق والضلال ﴿ ولله جنود السموت والأرض ﴾ تأكيد للانتقام من الأعداء أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين قال الرازي: كرر اللفظ لأن جنود الله قد يكون إنزالهم للرحمة، وقد يكون للعذاب، فذكرهم أولا لبيان الرحمة بالمؤمنين وثانيا لبيان إنزال العذاب عل الكافرين ﴿ وكان الله عزيزا حكيما ﴾ أي عزيزا في ملكه وسلطانه، حكيما في صنعه وتدبيره قال الصاوي: ذكر هذه الآية أولا في معرض الخلق والتدبير فذيلها بقوله
عليما حليما
[الأحزاب: 51] وذكرها ثانيا في معرض الانتقام فذيلها بقوله ﴿ عزيزا حكيما ﴾ وهو في منتهى الترتيب الحسن، لأنه تعالى ينزل جنود الرحمة لنصرة المؤمنين، وجنود العذاب لإهلاك الكافرين.. ثم امتن تعالى على رسوله الكريم بتشريفه بالرسالة، وبعثه إلى كافة الخلق فقال ﴿ إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ﴾ أي: إنا أرسلناك يا محمد شاهدا على الخلق يوم القيامة، ومبشرا للمؤمنين بالجنة، ومنذرا للكافرين من عذاب النار ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ أي أرسلنا الرسول لتؤمنوا أيها الناس بربكم ورسولكم حق الإيمان، إيمانا عن اعتقاد ويقين، لا يخالطه شك ولا ارتياب ﴿ وتعزروه ﴾ أي تفخموه وتعظموه ﴿ وتوقروه ﴾ أي تحترموا وتجلوا أمره مع التعظيم والتكريم، والضمير فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وتسبحوه بكرة وأصيلا ﴾ أي تسبحوا ربكم في الصباح والمساء، ليكون القلب متصلا بالله في كل آن، ثم قال تعالى ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ أي إن الذين يبايعونك يا محمد في الحديبية " بيعة الرضوان " إنما يبايعون في الحقيقة الله، وهذا تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سفير ومعبر عن الله قال المفسرون: المراد بالبيعة هنا بيعة الرضوان بالحديبية، حين بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت كما روى الشيخان عن سلمة ابن الأكوع أنه قال: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت " وسميت " بيعة الرضوان " لقول الله فيها
لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة
[الفتح: 18] ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال ابن كثير: أي هو تعالى حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله صلى لله عليه وسلم وقال الزمخشري: يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، والمعنى أن من بايع الرسول فقد بايع الله كقوله تعالى