ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين
[محمد: 31] وليبتلي المؤمنين بالكافرين والكافرين بالمؤمنين، فيصير من قتل من المؤمنين إلى الجنة، ومن قتل من الكافرين إلى النار ولهذا قال ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ﴾ أي والذين استشهدوا في سبيل الله فلن يبطل الله عملهم، بل يكثره ويضاعفه وينميه ﴿ سيهديهم ﴾ أي سيهديهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، بتوفيقهم إلى العمل الصالح وإرشادهم إلى الجنة دار الأبرار ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أي ويصلح حالهم وشأنهم ﴿ ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ أي ويدخلهم الجنة دار النعيم بينها لهم بحيث يعلم كل واحد منزله ويهتدي إليه قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا وفي الحديث
" والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا "
﴿ يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ﴾ أي إن تنصروا دينه ينصركم على أعدائكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ أي ويثبتكم في مواطن الحرب ﴿ والذين كفروا فتعسا لهم ﴾ أي والذين كفروا بالله وآياته فهلاكا وشقاء لهم، وهو دعاء عليهم بالتعاسة والخيبة والخذلان ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ أي أبطلها وأحبطها لأنها كانت في طاعة الشيطان ﴿ ذلك بأنهم كرهوا مآ أنزل الله ﴾ أي ذلك التعس والإضلال بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله من الكتب والشرائع قال الزمخشري: أي كرهوا القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف والأحكام، لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ فشق عليهم ذلك وتعاظمهم ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ أي أذهبها وأضاعها لأن الإيمان شرط لقبول الأعمال، والشرك محبط للعمل، ثم خوفهم تعالى عاقبة الكفر فقال ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ أي أفلم يسافر هؤلاء ليروا ما حل بمن سبقهم من الأمم الطاغية كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من المجرمين، كيف كان مآلهم؟ وماذا حل بهم من العذاب؟ فإن آثار ديارهم تنبىء عن أخبارهم ﴿ دمر الله عليهم ﴾ أي أهلكهم الله، واستأصل كل ما يخصهم من مال وبنين ومتاع، فإذا هو أنقاض متراكمة وإذا هم تحت هذه الأنقاض " ودمر عليهم " أبلغ من دمرهم لأن معناها أهلكهم مع أموالهم ودورهم وأولادهم وأطبق عليهم الهلاك إطباقا فلم يبق شيء إلا شمله الدمار ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ أي ولكفار مكة أمثال تلك العاقبة الوخيمة والعذاب المدمر ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ أي لا ناصر لهم ولا معين ولا مغيث، ثم بين تعالى مآل كل من الفريقين - المؤمنين والكافرين - في الآخرة فقال ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي يدخل المؤمنين جنات النعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ أي والكافرون في الدنيا ينتفعون بشهواتها ولذائذها، ويأكلون كما تأكل البهائم، ليس لهم هم إلا بطونهم وفروجهم ﴿ والنار مثوى لهم ﴾ أي وجهنم مقامهم ومنزلهم في الآخرة قال الزمخشري: المراد أنهم ينتفعون بمتاع الدنيا أياما قلائل، ويأكلون غافلين غير مفكرين في العاقبة كما تأكل الأنعام في مسارحها ومعالفها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، والنار منزل ومقام لهم في الآخرة.
. ثم سلى تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ﴾ أي وكم من أهل قرية عاتية ظالمة كانوا أقوى من أهل مكة الذين أخرجوك منها ﴿ أهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾ أي أهلكناهم بأنواع العذاب فلم ينصرهم أحد فكذلك نفعل بهؤلاء قال ابن عباس:
" لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة واختفى بالغار ثم خرج مهاجرا إلى المدينة، التفت إلى مكة ثم قال " إنك لأحب البلاد إلى الله، وأحب البلاد إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت "