قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه
[فصلت: 5] فرد تعالى عليهم هنا بأنه لو أنزل هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب!! ولصح لهم أن يقولوا
قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه
[فصلت: 5] لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه!! أما وقد نزل بلغة العرب، وهم من أهل هذه اللغة، فكيف يمكنهم أن يقولوا ذلك؟ فظهر أن الآية على أحسن وجوه النظم ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء ﴾ أي قل لهم يا محمد: إن هذا القرآن هدى للمؤمنين من الضلالة، وشفاء لهم من الجهل والشك والريب ﴿ والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ أي والذين لا يصدقون بهذا القرآن، في آذانهم صمم عن سماعه، ولذلك تواصوا باللغو فيه ﴿ وهو عليهم عمى ﴾ أي كما أن هذا القرآن رحمة للمؤمنين، هو شقاء وتعاسة على الكافرين كقوله تعالى
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا
[الإسراء: 82] قال في حاشية البيضاوي: إن القرآن لوضوح آياته، وسطوع براهينه، هاد إلى الحق، ومزيل للريب والشك، وشفاء من داء الجهل والكفر والارتياب، ومن ارتاب فيه ولم يؤمن به، فارتيابه إنما نشأ عن توغله في اتباع الشهوات، وتقاعده عن تفقد ما يسعده وينجيه ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ أي أولئك الكافرون بالقرآن، كمن ينادى من مكان بعيد، فإنه لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به، وهذا على سبيل التمثيل قال ابن عباس: يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ﴾ أي والله لقد أعطينا موسى التوراة فاختلف فيها قومه ما بين مصدق لها ومكذب، هكذا حال قومك بالنسبة للقرآن قال القرطبي: وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم، فآمن به قوم وكذب به قوم ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ﴾ أي ولولا أن الله حكم بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة لعذبهم وأهلكهم في الدنيا ﴿ وإنهم لفي شك منه مريب ﴾ أي وإن هؤلاء الكفار لفي شك من القرآن، لتبلد عقولهم وعمى بصائرهم، موقع لهم في أشد الريبة والاضطراب ﴿ من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ﴾ أي من عمل شيئا من الصالحات في هذه الدنيا فإنما يعود نفع ذلك على نفسه، ومن أساء في الدنيا فإنما يرجع وبال ذلك وضرره عليه ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ أي وليس الله منسوبا إلى الظلم حتى يعذب بغير إساءة، فهو تعالى لا يعاقب أحدا إلا بذنبه، ولا يعاقبه إلا بجرمه قال المفسرون: ليست صيغة " ظلام " هنا للمبالغة، وإنما هي صيغة نسبة مثل عطار، ونجار، وتمار، ولو كانت للمبالغة لأوهم أنه تعالى ليس كثير الظلم ولكنه يظلم أحيانا، وهذا المعنى فاسد لأنه يستحيل عليه الظلم جل وعلا ﴿ إليه يرد علم الساعة ﴾ أي إليه تعالى وحده علم وقت الساعة لا يعلمه غيره قال الإمام الفخر: أي لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا الله، ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما هدد الكفار بقوله ﴿ من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ﴾ ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه في يوم القيامة، فكأن سائلا قال: ومتى يكون ذلك اليوم؟ فبين تعالى أن معرفة ذلك اليوم لا يعلمه إلا الله ﴿ وما تخرج من ثمرات من أكمامها ﴾ أي وما تخرج ثمرة من الثمرات من غلافها ووعائها ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ أي ولا تحمل أنثى جنينا في بطنها، ولا تلده إلا ملتبسا بعلمه تعالى، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ﴿ ويوم يناديهم أين شركآئي ﴾؟ أي ويوم القيامة ينادي الله المشركين أين شركائي الذين زعمتم أنهم آلهة؟ وفيه تقريع وتهكم بهم ﴿ قالوا آذناك ما منا من شهيد ﴾ أي قال المشركون: أعلمناك وأخبرناك الآن بالحقيقة ما منا من يشهد اليوم بأن لك شريكا قال المفسرون: لما عاينوا القيامة تبرءوا من الأصنام وتبرأت الأصنم منهم، وأعلنوا إيمانهم وتوحيدهم في وقت لا ينفع فيه إيمان ﴿ وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل ﴾ أي وغاب عنهم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من الآلهة المزعومة ﴿ وظنوا ما لهم من محيص ﴾ أي وأيقنوا أنه لا مهرب ولا مخلص لهم من عذاب الله ﴿ لا يسأم الإنسان من دعآء الخير ﴾ أي لا يمل الإنسان من سؤاله ودعائه بالخير لنفسه، كالمال والصحة العز والسلطان ﴿ وإن مسه الشر فيئوس قنوط ﴾ أي وإن أصابه فقر أو مرض فهو عظيم اليأس، قانط من روح الله ورحمته ﴿ ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ﴾ أي ولئن أعطيناه غنى وصحة من بعد شدة وبلاء ﴿ ليقولن هذا لي ﴾ أي ليقولن هذا بسعيي واجتهادي قال أبو حيان: سمى النعمة رحمة إذ هي من آثار رحمة الله ﴿ ومآ أظن الساعة قآئمة ﴾ أي وما أعتقد أن القيامة ستكون ﴿ ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ﴾ أي وعلى فرض أن القيامة حاصلة، فليحسنن إلي ربي كما أحسن إلي في هذه الدنيا قال ابن كثير: يتمنى على الله عز وجل مع إساءته العمل وعدم اليقين ﴿ فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ﴾ أي فوالله لنعلمن هؤلاء الكافرين بحقيقة أعمالهم، ولنبصرنهم بإجرامهم ﴿ ولنذيقنهم من عذاب غليظ ﴾ أي ولنعذبنهم أشد العذاب، وهو الخلود في نار جهنم ﴿ وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ أي وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض عن شكر ربه، واستكبر عن الانقياد لأوامره، وشمخ بأنفه تكبرا وترفعا ﴿ وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض ﴾ أي وإذا أصابه المكروه فهو ذو دعاء كثير، يديم التضرع ويكثر من الابتهال، وهكذا طبيعة الإنسان الجحود والنكران، يعرف ربه في البلاء وينساه في الرخاء قال الرازي: استعير العرض لكثرة الدعاء، كما استعير الغلظ لشدة العذاب ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ﴾ أي قل لهم يا محمد: أخبروني يا معشر المشركين، إن كان هذا القرآن من عند الله، وكفرتم به من غير تأمل ولا نظر، كيف يكون حالكم؟ ﴿ من أضل ممن هو في شقاق بعيد ﴾ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاقكم وعداوتكم، قال أبو السعود: وضع الموصول " من أضل " موضع الضمير " منكم " شرحا لحالهم، وتعليلا لمزيد ضلالهم ﴿ سنريهم آياتنا ﴾ أي سنظهر لهؤلاء المشركين دلالاتنا وحججنا على أن القرآن حق منزل من عند الله ﴿ في الآفاق ﴾ أي في أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم، والأشجار والنبات وغير ذلك من العجائب العلوية والسفلية ﴿ وفي أنفسهم ﴾ أي وفي عجائب قدرة الله في خلقهم وتكوينهم قال القرطبي: المراد ما في أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحكمة، حتى سبيل الغائط والبول، فإن الرجل يأكل ويشرب من مكان واحد، ويتميز ذلك من مكانين، ومن بديع صنعة الله وحكمته في عينيه اللتين هما قطرة ماء، ينظر بهما من الأرض إلى السماء، مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة، وغير ذلك من بديع حكمة الله فيه ﴿ حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾ أي حتى يظهر لهم أن هذا القرآن حق ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾؟ أي أولم يكفهم برهانا على صدقك أن ربك لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء؟ وأنه مطلع على كل شيء لا تخفى عليه خافية؟ ﴿ ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم ﴾ ألا استفتاح لتنبيه السامع إلى ما يقال أي ألا فانتبهوا أيها القوم إن هؤلاء المشركين في شك من الحساب والبعث والجزاء، ولهذا لا يتفكرون ولا يؤمنون ﴿ ألا إنه بكل شيء محيط ﴾ أي ألا فانتبهوا فإنه تعالى قد أحاط علمه بكل الأشياء جملة وتفصيلا، فهو يجازيهم على كفرهم.