تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41.19-38

المناسبة: لما ذكر تعالى قصة عاد وثمود، وما أصابهم من العقوبة في الدنيا بطغيانهم وإجرامهم، ذكر هنا ما يصيب الكفار عامة في الآخرة من العذاب والدمار، ليحصل منه تمام الاعتبار، في الزجر والتحذير عن ارتكاب المعاصي والكفر بنعم الله.

اللغة: ﴿ يوزعون ﴾ يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ﴿ تستترون ﴾ تستخفون، من الاستتار بمعنى الاختفاء عن الأعين ﴿ أرداكم ﴾ أهلككم وأوقعكم في المهالك ﴿ يستعتبوا ﴾ يطلبوا رضاء الله ﴿ المعتبين ﴾ جمع معتب وهو المقبول عتابه قال النابغة:

فإن أك مظلوما فعبد ظلمته

وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب

﴿ قيضنا ﴾ هيأنا ﴿ نزلا ﴾ ضيافة وكرامة ﴿ يسأمون ﴾ يملون.

سبب النزول: عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إن جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم.. ﴾ الآية.

التفسير: ﴿ ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار ﴾ أي واذكر يوم يجمع أعداء الله المجرمون في أرض المحشر لسوقهم إلى النار ﴿ فهم يوزعون ﴾ أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا قال ابن كثير: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ﴿ حتى إذا ما جآءوها ﴾ أي حتى إذا وقفوا للحساب ﴿ شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ﴾ أي نطقت جوارحهم وشهدت عليهم بما اقترفوه من إجرام وآثام، وفي الحديث

" فيختم على فيه - أي فمه - ثم يقال لجوارحه انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل "

﴿ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ﴾ أي وقالوا لأعضائهم وجلودهم توبيخا وتعجبا من هذا الأمر الغريب: لم أقررتم علينا وشهدتم بما فعلنا وإنما كنا نجادل وندافع عنكم؟ ﴿ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ﴾ أي قالوا معتذرين: ليس الأمر بيدنا وإنما أنطقنا الله بقدرته، الذي ينطق الجماد والإنسان والحيوان، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح ﴿ وهو خلقكم أول مرة ﴾ أي هو أوجدكم من العدم، وأحياكم بعد أن لم تكونوا شيئا، فمن قدر على هذا قدر على إنطاقنا ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي وإليه وحده تردون بالبعث قال أبو السعود: المعنى ليس نطقنا بعجب من قدرة الله، الذي أنطق كل حي، فإن من قدر على خلقكم وإنشائكم أولا، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه ثانيا، لا يتعجب من إنطاقه لجوارحكم ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ﴾ أي وما كنتم تستخفون من هؤلاء الشهود في الدنيا حين مباشرتكم الفواحش، لأنكم لم تظنوا أنها تشهد عليكم قال البيضاوي: أي كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضيحة، وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم فما استخفيتم منها، وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي ألا يمر عليه حال إلا وعليه رقيب ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ﴾ أي ولكن ظننتم أن الله تعالى لا يعلم كثيرا من القبائح المخفية، ولذلك اجترأتم على المعاصي والآثام ﴿ وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ﴾ أي وذلكم الظن القبيح برب العالمين - أنه لا يعلم كثيرا من الخفايا - هو الذي أوقعكم في الهلاك والدمار فأوردكم النار ﴿ فأصبحتم من الخاسرين ﴾ أي فخسرتم سعادتكم وأنفسكم وأهليكم، وهذا تمام الخسران والشقاء ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ أي فإن يصبروا على العذاب فالنار مقامهم ومنزلهم، لا محيد ولا محيص لهم عنها ﴿ وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ﴾ أي وإن يطلبوا إرضاء الله، فما هم من المرضي عليهم، قال القرطبي: والعتبى: رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب، تقول: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني ﴿ وقيضنا لهم قرنآء ﴾ أي هيأنا للمشركين ويسرنا لهم قرناء سوء من الشياطين، ومن غواة الإنس ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ أي حسنوا لهم أعمالهم القبيحة، الحاضرة والمستقبلة قال ابن كثير: حسنوا لهم أعمالهم فلم يروا أنفسهم إلا محسنين ﴿ وحق عليهم القول ﴾ أي ثبت وتحقق عليهم كلمة العذاب، وهو القضاء المحتم بشقائهم ﴿ في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ﴾ أي في جملة أمم من الأشقياء المجرمين قد مضت من قبلهم، ممن فعلوا كفعلهم من الجن والإنس ﴿ إنهم كانوا خاسرين ﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب أي لأنهم كانوا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، فلذلك استحقوا العذاب الأبدي ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ لما أخبر تعالى عن كفر عاد وثمود وغيرهم، أخبر عن مشركي قريش وأنهم كذبوا القرآن والمعنى قال الكافرون بعضهم لبعض لا تستمعوا لمحمد إذا قرأ القرآن، وتشاغلوا عنه.

صفوة التفاسير · الصفحة ٦١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦١٠