﴿ والغوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ أي ارفعوا أصواتكم عند قراءته حتى لا يسمعه أحد لكي تغلبوه على دينه قال ابن عباس: قال أبو جهل إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول ﴿ فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ﴾ أي فوالله لنذيقن هؤلاء الكفار المستهزئين بالقرآن عذابا شديدا لا يخف ولا ينقطع ﴿ ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ﴾ أي ولنجازينهم بشر أعمالهم، وسيء أفعالهم، أسوأ وأقبح الجزاء ﴿ ذلك جزآء أعدآء الله النار ﴾ أي ذلك العذاب الشديد - الذي هو أسوأ الجزاء - هو نار جهنم جزاء المجرمين، أعداء الله ورسوله ﴿ لهم فيها دار الخلد ﴾ أي لهم في جهنم دار الإقامة، لا يخرجون منها أبدا ﴿ جزآء بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ أي جزاء لهم على كفرهم بالقرآن، واستهزائهم بآيات الرحمن قال الرازي: وسمى لغوهم بالقرآن جحودا لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز، خافوا إن سمعه الناس أن يؤمنوا به، فاخترعوا تلك الطريقة الفاسدة، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزا إلا أنهم جحدوه حسدا ﴿ وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ﴾ أي ويقول الكفار إذا دخلوا جهنم ربنا أرنا كل من أغوانا وأضلنا من الجن والإنس، وإنما جاء بلفظ الماضي " وقال " لتحققه ومعناه المستقبل قال أبو حيان: والظاهر أن المراد ب ﴿ الذين ﴾ يراد بهما الجنس أي كل مغو من هذين النوعين ﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ أي نطأهما بأقدامنا انتقاما وتشفيا ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ أي ليكونا في الدرك الأسفل من النار، وهي أشد عذاب جهنم لأنها درك المنافقين، ولما ذكر تعالى حال الأشقياء المجرمين، أردفه بذكر حال السعداء المؤمنين فقال ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ أي آمنوا بالله إيمانا صادقا وأخلصوا العمل له، ثم استقاموا على توحيد الله وطاعته، وثبتوا على ذلك حتى الممات، عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر بعد أن تلا الآية الكريمه: " استقاموا والله على الطريقة لطاعته، ثم لم يروغوا روغان الثعالب " والغرض: أنهم استقاموا على شريعة الله، في سلوكهم، وأخلاقهم وأقوالهم، وأفعالهم، فكانوا مؤمنين حقا، مسلمين صدقا، وقد سئل بعض العارفين عن تعريف الكرامة فقال: الاستقامة عين الكرامة، وعن الحسن أنه كان يقول: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ أي تتنزل عليهم ملائكة الرحمة عند الموت بأن لا تخافوا مما تقدمون عليه من أحوال القيامة، ولا تحزنوا على ما خلفتموه في الدنيا من أهل ومال وولد فنحن نخلفكم فيه ﴿ وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ﴾ أي وأبشروا بجنة الخلد التي وعدكم الله بها على لسان الرسل قال شيخ زاده: إن الملائكة تتنزل حين الاحتضار على المؤمنين بهذه البشارة أن لا تخافوا من هول الموت، ولا من هو القبر، وشدائد يوم القيامة، وإن المؤمن ينظر إلى حافظيه قائمين على رأسه يقولان له: لا تخف اليوم ولا تحزن، وأبشر بالجنة التي كنت توعد، وإنك سترى اليوم أمورا لم تر مثلها فلا تهولنك فإنما يراد بها غيرك ﴿ نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ أي تقول لهم الملائكة: نحن أنصاركم وأعوانكم في الدنيا والآخرة، نرشدكم إلى ما فيه خيركم وسعادتكم في الدارين ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ﴾ أي ولكم في الجنة ما تشتهيه نفوسكم، وتقر به عيونكم من أنواع اللذائذ والشهوات، ولكم فيها ما تطلبون وتتمنون ﴿ نزلا من غفور رحيم ﴾ أي ضيافة وكرامة من رب واسع المغفرة، عظيم الرحمة لعباده المتقين ﴿ ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ﴾ أي دعا إلى توحيد الله وطاعته، بقوله وفعله وحاله، وفعل الصالحات، وجعل الإسلام دينه ومذهبه قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير وهو نفسه مهتد، وقال الزمخشري: والآية عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن يكون مؤمنا معتقدا لدين الإسلام، عاملا بالخير، داعيا إليه، وما هم إلا طبقة العلماء العاملين ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ أي لا يتساوى فعل الحسنة مع فعل السيئة، بل بينهما فرق عظيم في الجزاء وحسن العاقبة ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ أي ادفع السيئة بالخصلة التي هي أحسن، مثل أن تدفع الغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو قال ابن عباس: ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك ﴿ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴾ أي فإذا فعلت ذلك صار عدوك كالصديق القريب، الخالص الصداقة في مودته ومحبته لك ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ أي وما ينال هذه المنزلة الرفيعة، والخصلة الحميدة، إلا من جاهد نفسه بكظم الغيظ واحتمال الأذى ﴿ وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم ﴾ أي وما يصل إليها وينالها إلا ذو نصيب وافر من السعادة والخير ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ﴾ أي وإن وسوس إليك الشيطان بترك ما أمرت به من الدفع بالتي هي أحسن، وأراد أن يحملك على البطش والانتقام، فاستعذ بالله من كيده وشره ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ أي هو السميع لأقوال العباد، العليم بأفعالهم وأحوالهم، ثم ذكر تعالى دلائل قدرته الباهرة، وحكمته البالغة فقال ﴿ ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر ﴾ أي ومن علاماته الدالة على وحدانيته وقدرته تعاقب الليل والنهار، وتذليل الشمس والقمر، مسخرين لمصالح البشر ﴿ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ﴾ أي لا تسجدوا للمخلوق واسجدوا للخالق، الذي خلق هذه الأشياء وأبدعها ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ أي إن كنتم تفردونه بالعبادة فلا تسجدوا لأحد سواه ﴿ فإن استكبروا ﴾ أي فإن استكبر الكفار عن السجود لله ﴿ فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار ﴾ أي فالملائكة الأبرار يعبدونه بالليل والنهار ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ أي لا يملون عبادته.
صفوة التفاسير · الصفحة ٦١١
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
صفوة التفاسيرص ٦١١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي