تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يسبحون اليل والنهار لا يفترون

[الأنبياء: 20] والمراد بالتسبيح تنزيه الله عن كل ما لا يليق به، ثم نبه تعالى إلى السبب الدافع للكفار إلى المجادلة بالباطل فقال ﴿ إن الذين يجادلون في آيات الله ﴾ أي يخاصمون في الآيات المنزلة ﴿ بغير سلطان أتاهم ﴾ أي بلا برهان ولا حجة من الله ﴿ إن في صدورهم إلا كبر ﴾ أي ما في قلوبهم إلا تكبر وتعاظم يمنعهم من اتباعك والانقياد إليك ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ أي ما هم بواصلين إلى مرادهم من إطفاء نور الله، ولا بمؤملين مقصودهم بالعلو عليك ﴿ فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير ﴾ أي فالتجىء وتحصن بالله من كيدهم، فإن الله يدفع عنك شرهم، لأنه هو السميع لأقوالهم العليم بأحوالهم.. ثم ذكر تعالى الدلائل الدالة على قدرته ووحدانيته فقال ﴿ لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ اللام لام الابتداء أي لخلق الله للسماوات والأرض وإنشاؤهما وابتداعهما من غير شيء أعظم من خلق البشر، فمن قدر على خلقهما مع عظمهما كيف يعجز عن خلق ما هو أحقر وأهون؟ قال في التسهيل: والغرض الاستدلال على البعث، لأن الإله الذي خلق السماوات والأرض على كبرها، قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أي ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، لأنهم لا يتأملون لغلبة الجهل عليهم، وفرط غفلتهم واتباعهم لأهوائهم ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ أي لا يتساوى المؤمن والكافر ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء ﴾ أي ولا البر والفاجر ﴿ قليلا ما تتذكرون ﴾ أي لا تتعظون بهذه الأمثال إلا قليلا قال ابن كثير: والمراد أنه كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار، والكفرة الفجار، ما أقل ما يتذكر كثير من الناس؟ ﴿ إن الساعة لآتية لا ريب فيها ﴾ أي إن القيامة آتية لا محالة، لا شك في ذلك ولا مرية ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ أي ولكن أكثر الناس لا يصدقون بمجيئها، ولذلك ينكرون البعث والجزاء قال الرازي: والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث والقيامة ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴾ أي ادعوني أجبكم فيما طلبتم، وأعطكم ما سألتم قال ابن كثير: ندب تعالى عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة فضلا منه وكرما ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾ أي إن الذين يتكبرون عن دعاء الله سيدخلون جهنم أذلاء صاغرين.

. ثم ذكر تعالى من آثار قدرته ووحدانيته، ما يلزم منه إفراده بالعبادة والشكر فقال ﴿ الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ﴾ أي الله جل وعلا بقدرته وحكمته هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتستريحوا فيه من تعب وعناء العمل بالنهار، وجعل النهار مضيئا لتتصرفوا فيه بأسباب الرزق وطلب المعاش ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ أي إنه تعالى متفضل على العباد، وهو صاحب الجود والإحسان إليهم ﴿ ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ أي ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على إحسانه، ويجحدون فضله وإنعامه ﴿ ذلكم الله ربكم خالق كل شيء ﴾ أي ذلكم المتفرد بالخلق والإنعام هو الله ربكم، خالق كل الأشياء ﴿ لا إله إلا هو ﴾ أي لا معبود في الوجود سواه ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي فكيف تصرفون عن عبادة الخالق المالك إلى عبادة الأوثان؟ ﴿ كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ﴾ أي كذلك يصرف عن الهدى والحق الذين جحدوا بآيات الله وأنكروها قال الصاوي: وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى لا تحزن يا محمد على إنكار قومك فإن من قبلهم فعل ذلك، ثم زاد في البيان ودلائل القدرة فقال ﴿ الله الذي جعل لكم الأرض قرارا ﴾ أي جعلها مستقرا لكم في حياتكم وبعد مماتكم قال ابن عباس: جعلها منزلا لكم في حال الحياة وبعد الموت ﴿ والسمآء بنآء ﴾ أي وجعل السماء سقفا محفوظا، كالقبة المبنية مرفوعة فوقكم ﴿ وصوركم فأحسن صوركم ﴾ أي صوركم أحسن تصوير، وخلقكم في أحسن الأشكال، متناسبي الأعضاء، ولم يجعلكم كالبهائم منكوسين تمشون على أربع قال الزمخشري: لم يخلق تعالى حيوانا أحسن صورة من الإنسان، وهذه مثل قوله تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٦٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٦٠٥