تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستعجلونك بالعذاب

[الحج: 47] ﴿ اصبر على ما يقولون ﴾ أي اصبر يا محمد على تكذيبهم فإن الله ناصرك عليهم قال الصاوي: وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفار ﴿ واذكر عبدنا داوود ذا الأيد ﴾ أي وتذكر عبدنا داود ذلك النبي الشاكر الصابر، ذا القوة في الدين، والقوة في البدن، فقد كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان يقوم نصف الليل ﴿ إنه أواب ﴾ أي كثير الرجوع والإنابة إلى الله، والاواب: الرجاع إلى الله قال أبو حيان: لما كانت مقالة المشركين تقتضي الاستخفاف بالدين، أمر تعالى نبيه بالصبر على أذاهم، وذكر قصصا للأنبياء " داود، وسليمان، وأيوب " وغيرهم، وما عرض لهم فصبروا حتى فرج الله عنهم، وصارت عاقبتهم أحسن عاقبة، فكذلك أنت تصبر ويئول أمرك إلى أحسن مآل ﴿ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ﴾ أي سخرنا الجبال لداود تسبح معه في المساء والصباح، وتسبيح الجبال حقيقة وكان معجزة لداود عليه السلام كما قال تعالى

يجبال أوبي معه والطير

[سبأ: 10] ﴿ والطير محشورة كل له أواب ﴾ أي وسخرنا له الطير مجموعة إليه نسبح معه، كل من الجبال والطير رجاع إلى طاعته تعالى بالتسبيح والتقديس قال ابن كثير: كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه، إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه يترنم بقراءة الزبور يقف في الهواء ويسبح معه، وكذلك الجبال الشامخات كانت ترجع معه وتسبح تبعا له، قال قتادة: ﴿ أواب ﴾ أي مطيع ﴿ وشددنا ملكه ﴾ أي قوينا ملكه وثبتناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ أي أعطيناه النبوة والفهم والإصابة في الأمور ﴿ وفصل الخطاب ﴾ أي الكلام البين الذي يفهمه من يخاطب به قال مجاهد: يعني إصابة القضاء وفهمه وقال القرطبي: البيان الفاصل بين الحق والباطل قال المفسرون: كان ملك داود قويا عزيزا، وكان يسوسه بالحكمة والحزم معا، ويقطع ويجزم برأي لا تردد فيه مع الحكمة والقوة، وذلك غاية الكمال في الحكم والسلطان ﴿ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ﴾ هذا الاستفهام للتعجيب وتشويق السامع إلى ما يلقى إليه كما تقول لجليسك: هل تعلم ما وقع اليوم؟ تريد تشويقه لسماع كلامك والمعنى هل أتاك يا محمد خبر الجماعة المتنازعين الذين تسوروا على داود مسجده في وقت اشتغاله بالعبادة والطاعة؟ ﴿ إذ دخلوا على داوود ففزع منهم ﴾ أي حين دخلوا عليه من أعلى السور فخاف وارتعد منهم قال المفسرون: وإنما فزع داود منهم لأنهم دخلوا عليه بغير إذن، ودخلوا من غير الباب، في وقت كان قد خصصه للعبادة ﴿ قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ﴾ أي لا تخف منا فنحن فوجان مختصمان تعدى بعضنا على بعض ﴿ فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ﴾ أي فاحكم بيننا بالعدل، ولا تجر ولا تظلم في الحكم ﴿ واهدنآ إلى سوآء الصراط ﴾ أي وأرشدنا إلى وسط الطريق يعني إلى الطريق الحق الواضح ﴿ إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ﴾ هذه بداية قصة الخصمين أي قال أحدهما: إن صاحبي هذا يملك تسعة وتسعين نعجة - وهي أنثى الضأن - وأملك أنا نعجة واحدة قال المفسرون: وقد يكنى بها عن المرأة فيكون الغرض أن عنده تسعا وتسعين امرأة وعندي امرأة واحدة ﴿ فقال أكفلنيها ﴾ أي ملكنها واجعلها تحت كفالتي ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ أي غلبني في الخصومة، وشدد علي في القول وأغلظ ﴿ قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ﴾ أي قال له داود لقد ظلمك بهذا الطلب حين أراد انتزاع نعجتك منك ليكمل ما عنده إلى مائة ﴿ وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض ﴾ أي وإن الكثيرين من الشركاء ليتعدى بعضهم على بعض ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ﴾ أي إلا المؤمنين الذين يعملون الصالحات فإنهم لا يبغون وهم قليل ﴿ وظن داوود أنما فتناه ﴾ أي علم وأيقن أنما اختبرناه بهذه الحادثة وتلك الحكومة ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ﴾ أي طلب المغفرة من الله وخر ساجدا لله تعالى، ورجع إليه بالتوبة والندم على ما فرط منه قال أبو حيان: وذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء، ضربنا عن ذكرها صفحا، والذي يدل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب كانوا من الإنس، دخلوا عليه من غير المدخل وفي غير وقت جلوسه للحكم، وأنه فزع منهم ظنا منه أنهم يغتالونه إذ كان منفردا في محرابه لعبادة ربه، فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومة، وبرز منهم اثنان للتحاكم كما قص الله تعالى فاستغفر من ذلك الظن، وخر ساجدا لله عز وجل، ونحن نعلم قطعا أن الأنبياء معصومون من الخطايا، إذ لو جوزنا عليهم شيئا من ذلك لبطلت الشرائع ولم نثق بشيء مما يذكرون، فما حكى الله في كتابه يمر على ما أراده الله، وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة طرحناه ثم قال تعالى ﴿ فغفرنا له ذلك ﴾ أي فسامحناه وعفونا عنه ذلك الظن السيء بالرجلين قال ابن كثير: أي غفرنا له ما كان منه مما يقال فيه: " حسنات الأبرار سيئات المقربين " ﴿ وإن له عندنا لزلفى ﴾ وإن له لقربة وكرامة بعد المغفرة ﴿ وحسن مآب ﴾ أي وحسن مرجع في الآخرة ﴿ يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ أي استخلفناك على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ﴾ اي فاحكم بينهم بالعدل وبشريعة الله التي أنزلها عليك ﴿ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ﴾ أي لا تتبع هوى النفس في الحكومات وغيرها فيضلك اتباع الهوى عن دين الله القويم، وشرعه المستقيم ﴿ إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ﴾ أي إن الذين ينحرفون عن دين الله وشرعه لهم عذاب شديد يوم القيامة ﴿ بما نسوا يوم الحساب ﴾ أي بسبب نسياهم وتركهم سلوك سبيل الله، وعدم إيمانهم بيوم الحساب، لأنهم لو آمنوا به لأعدوا الزاد ليوم المعاد، قال أبو حيان: وجعله تعالى داود خليفة في الأرض يدل على مكانته عليه السلام واصطفائه له، ويدفع في صدر من نسب إليه شيئا مما لا يليق بمنصب النبوة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٨٠