تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فنزلت الآيات ﴿ وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ﴾ أي وانطلق أشراف قريش ورؤساء الضلال فيهم، وخرجوا من عند الرسول صلى الله عليه وسلم يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، ولا تطيعوا محمدا فيما يدعوكم إليه من عبادة الله الواحد الأحد ﴿ إن هذا لشيء يراد ﴾ أي هذا أمر مدبر، يريد من ورائه محمد أن يصرفكم عن دين آبائكم لتكون له العزة والسيادة عليكم، فاحذروا أن تطيعوه ﴿ ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة ﴾ أي ما سمعنا بمثل هذا القول في ملة النصرانية التي هي آخر الملل، فإنهم يقولون بالتثليث لا بالتوحيد، فيكف يزعم محمد أن الله واحد؟ قال ابن عباس: يعنون بالملة الآخرة دين النصرانية وقال مجاهد وقتادة: يعنون دين قريش أي ليس هذا في الدين الذي أدركنا عليه آبائنا ﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ أي ما هذا الذي يدعيه محمد إلا كذب وافتراء، ثم أنكروا اختصاصه عليه السلام بالوحي من بينهم فقالوا ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾؟ الاستفهام للإنكار أي هل تنزل القرآن على محمد دوننا، مع أن فينا من هو أكثر منه مالا، وأعلى رياسة؟ قال الزمخشري: أنكروا أن يختص صلى الله عليه وسلم بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم، وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم ﴿ بل هم في شك من ذكري ﴾ إضراب عن مقدر تقديره: إنكارهم للذكر ليس عن علم بل هم في شك منه فلذلك كفروا ﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ اضراب انتقالي وغرضه التهديد والمعنى سبب شكهم أنهم لم يذوقوا العذاب إلى الآن، ولو ذاقوه لأيقنوا بالقرآن وآمنوا به ﴿ أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب ﴾؟ هذا رد على المشركين فيما أنكروا من اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والمعنى هل عندهم خزائن رحمته تعالى حتى يعطوا النبوة من شاءوا، ويمنعوها من شاءوا؟ قال البيضاوي: يريد أن النبوة عطية من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده، فإنه ﴿ العزيز ﴾ أي الغالب الذي لا يغلب ﴿ الوهاب ﴾ أي الذي له أن يهب ما يشاء لمن يشاء ﴿ أم لهم ملك السموت والأرض وما بينهما ﴾؟ أي هل لهم شيء من ملك السماوات والأرض؟ وهو إنكار وتوبيخ ﴿ فليرتقوا فى الأسباب ﴾ أي ان كان لهم شيء من ذلك فليصعدوا في المراقي التي توصلهم إلى السماء، وليدبروا شئون الكون؟ وهو تهكم بهم واستهزاء قال الزمخشري: تهكم بهم غاية التهكم فقال: إن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق، والتصرف في قسمة الرحمة، وكان عندهم من الحكمة ما يميزون بها بين من هو حقيق بالنبوة من غيره، فليصعدوا في المعارج التي يتوصلون بها إلى العرش، حين يستووا عليه ويدبروا أمر العالم، وينزلوا الوحي على من يختارون، وهو غاية التهكم بهم ﴿ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ﴾ التنكير للتقليل والتحقير، و ﴿ ما ﴾ لتأكيد القلة أي ما هم إلا جند من الكفار، المتحزبين على رسل الله، هم عما قليل يهزمون ويولون الأدبار، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون.

. ثم أخبر تعالى عما نال أسلافهم الكفار من العذاب والدمار فقال ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ﴾ أي كذب قبل كفار قريش أمم كثيرون منهم قوم نوح، وقوم هود وهم قبيلة " عاد " وفرعون الجبار ذو الملك الثابت بالأوتاد أو ذو الجموع الكثيرة، قال بعض المفسرين: سمي بذي الأوتاد لأنه كان يوتد من يريد تعذيبه بأربعة أوتاد في يديه ورجليه ويتركه جتى يموت وقيل: لأنه صاحب الإهرامات والمباني العظيمة الثابتة التي تقوم في الأرض كالأوتاد ﴿ وثمود وقوم لوط وأصحاب لئيكة ﴾ أي وكذبت ثمود وهم قوم صالح وقوم لوط، وأصحاب الأيكة أي الشجر الملتف وهم قوم شعيب ﴿ أولئك الأحزاب ﴾ أي أولئك هم الكفار الذين تحزبوا على رسلهم فأهلكهم الله، فليحذر هؤلاء المكذبون لرسول الله أن يصيبهم ما أصاب أسلافهم ﴿ إن كل إلا كذب الرسل ﴾ أي ما كل من هؤلاء الأحزاب والأمم إلا كذب رسوله الذي أرسل إليه ﴿ فحق عقاب ﴾ أي فثبت ووجب عليهم عقابي، وحذفت الياء مراعاة لرءوس الآيات ﴿ وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ﴾ أي وما ينتظر هؤلاء المشركون كفار مكة إلا نفخة واحدة ينفخ فيها إسرافيل في الصور فيصعقون ﴿ ما لها من فواق ﴾ أي ليس لها من توقف ولا تكرار، قال ابن عباس: أي ما لها من رجوع قال المفسرون: أي أن هذه الصيحة إذا جاءت لا تستأخر ولو فترة قصيرة مقدار فواق ناقة وهي المسافة بين الحلبتين لأنها تجيء في موعدها المحدد، الذي لا يتقدم ولا يتأخر قال الزمخشري: يريد أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد ﴿ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ﴾ أي وقال كفار مكة على سبيل الاستهزاء والسخرية: عجل لنا يا ربنا نصيبنا من العذاب الذي وعدته لنا، قبل أن يجيء يوم القيامة إن كان الأمر كما يقول محمد قال المفسرون: وإنما قالوا هذا على سبيل الاستهزاء كقوله تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٧٩