لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
[الأنبياء: 87] فاستجاب الله تضرعه ونداءه ﴿ فنبذناه بالعرآء وهو سقيم ﴾ أي فألقيناه من بطن الحوت على الساحل، بالأرض الفضاء التي لا شجر فيها ولا ظل، وهو سقيم مريض مما ناله من الكرب قال عطاء: أوحى الله تعالى إلى الحوت إني قد جعلت بطنك له سجنا، ولم أجعله لك طعاما، فلذلك بقي سالما لم يتغير منه شيء ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ﴾ أي وأنبتنا فوقه شجرة لتظله وتقيه حر الشمس، وهي شجرة القرع ذات الأوراق العريضة قال ابن جزي: وإنما خص القرع بالذكر لأنه يجمع كبر الورق، وبرد الظل، والذباب لا يقربه، فإن لحم يونس لما خرج من البحر كان لا يحتمل الذباب، وكان هذا من تدبير الله ولطفه، فلما استكمل قوته وعافيته رده الله إلى قومه ولهذا قال ﴿ وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون ﴾ أي وأرسلناه بعد ذلك إلى قومه الذين هرب منهم وهم مائة ألف بل يزيدون قال المفسرون: كانوا مائة وعشرين ألفا وقيل: وسبعين ألفا، وهم أهل نينوى بجهة الموصل، و " أو " بمعنى بل أي بل يزيدون ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ أي فآمنوا بعد أن شاهدوا أمارات العذاب الذي وعدوا به فأبقيناهم ممتعين في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم قال في التسهيل: روي أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم، وفرقوا بينهم وبين الأمهات، وناحوا وتضرعوا إلى الله، فرفع الله العذاب عنهم.. ولما انتهى من الحديث عن الرسل الكرام رجع إلى الحديث عن المكذبين من كفار مكة فقال ﴿ فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون ﴾؟ أي اسأل يا محمد واستخبر كفار مكة - على سبيل التوبيخ والتقريع لهم - كيف زعموا أن الملائكة بنات الله، فجعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور؟ إنهم يكرهون البنات ولا يرضون نسبتهن لأنفسهم، فكيف يرضونها لله عز وجل ويختصون بالبنين؟ ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ﴾ توبيخ آخر على بهتانهم واستهزاء بهم وتجهيل أي بل أخلقنا الملائكة الأطهار حين خلقناهم، وجعلناهم إناثا وهم شاهدون لذلك حتى يقولوا مثل هذا البهتان؟ ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله ﴾ أي ألا فانتبهوا أيها الناس إن هؤلاء المشركين من كذبهم وافترائهم ينسبون إلى الله الذرية والولد ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ أي وهم كاذبون قطعا في قولهم الملائكة بنات الله قال أبو السعود: والآية استئناف مسوق لإبطال أصل مذهبهم الفاسد، ببيان أن مبناه ليس إلا الإفك الصريح، والافتراء القبيح، من غير أن يكون لهم دليل قطعا ﴿ أصطفى البنات على البنين ﴾؟ توبيخ وتقريع أي هل اختار جل وعلا البنات وفضلهن على البنين؟ ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾؟ تسفيه لهم وتجهيل أي أي شيء حصل لكم حتى حكمتم بهذا الحكم الجائر؟ كيف يختار لنفسه أخس الجنسين على زعمكم؟ ﴿ أفلا تذكرون ﴾ أي أفليس لكم تمييز وإدراك تعرفون به خطأ هذا الكلام؟ قال أبو السعود: أي أفلا تتذكرون بطلان هذا ببديهة العقل، فإنه مركوز في عقل كل ذكي وغبي ﴿ أم لكم سلطان مبين ﴾ توبيخ آخر أي أم لكم برهان بين وحجة واضحة على أن الله اتخذ الملائكة بنات له؟ ﴿ فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ﴾ أي فأتوا بهذا الكتاب الذي يشهد بصحة دعواكم فيما تزعمون.
. والغرض تعجيزهم وبيان أنهم لا يستندون - في أقوالهم الباطلة - على دليل شرعي، ولا منطق عقلي.. وينتقل إلى أسطورة أخرى لفقها المشركون، حيث زعموا أن هناك صلة بين الله سبحانه وبين الجن، وأنه من التزاوج بين الله تعالى والجنة ولدت الملائكة فيقول ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ﴾ أي جعل المشركون بين الله وبين الجن قرابة ونسبا، حيث قالوا إنه نكح من الجن فولدت له الملائكة
سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا
[الإسراء: 43] ثم زعموا أن الملائكة إناث، وأنهن بنات الله ﴿ ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ﴾ أي لقد علمت الشياطين أنهم محضرون في العذاب قال الصاوي: وهذا زيادة في تبكيتهم وتكذيبهم كأنه قيل: هؤلاء الذين عظمتموهم وجعلتموهم بنات الله، أعلم بحالكم وما يئول إليه أمركم ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ أي تنزه وتقدس الله عما يصفه به هؤلاء الظالمون ﴿ إلا عباد الله المخلصين ﴾ استثناء منقطع أي لكن عباد الله المخلصين فإنهم ينزهون الله تعالى عما يصفه به هؤلاء ﴿ فإنكم وما تعبدون * مآ أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم ﴾ أي فإنكم أيها الكفار وكل ما تعبدونه من الأصنام والشياطين لستم بقادرين على أن تضلوا أحدا من عباد الله، إلا من قضى الله عليه الشقاوة، وقدر أنه يدخل النار ويصلاها، ثم ذكر تعالى اعتراف الملائكة بالعبودية لله فقال ﴿ وما منآ إلا له مقام معلوم ﴾ أي وما منا ملك إلا له مرتبة ومنزلة ووظيفة لا يتعداها، فمنا الموكل بالأرزاق، ومنا الموكل بالآجال، ومنا من يتنزل بالوحي، ولكل منزلته من العبادة، والتقريب، والتشريف ﴿ وإنا لنحن الصآفون ﴾ أي الواقفون في العبادة صفوفا ﴿ وإنا لنحن المسبحون ﴾ أي المنزهون الله سبحانه عن كل ما لا يليق بعظمته وكبريائه، نسبح الله في كل وقت وحين قال في التسهيل: وفي هذا الكلام الذي قالته الملائكة رد على من قال إنهم بنات الله، وشركاء الله، لأنهم اعترفوا على أنفسهم بالعبودية والطاعة لله، والتنزيه له جل وعلا ﴿ وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد الله المخلصين ﴾ الضمير لكفار قريش و ﴿ وإن ﴾ هي المخففة من " إن " الثقيلة أي وإن كان الحال والشأن أن كفار مكة كانوا قبل أن ينزل عليهم القرآن - يقولون لو نزل علينا كتاب من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل لكنا أعظم إيمانا منهم، وأكثر عبادة وإخلاصا لله منهم، فلما جاءهم القرآن كفروا به ولهذا قال ﴿ فكفروا به ﴾ أي فكفروا وكذبوا بالقرآن أشرف الكتب السماوية ﴿ فسوف يعلمون ﴾ أي فسوف يرون عاقبة كفرهم بآيات الله، وهو وعيد وتهديد ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ﴾ أي سبق وعدنا وقضاؤنا للرسل الكرام ﴿ إنهم لهم المنصورون ﴾ أي إنهم هم المنصورون على أعدائهم، والإشارة إلى قوله تعالى