بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق
[الأنبياء: 18] ﴿ علام الغيوب ﴾ أي هو تعالى الذي أحاط علما بجميع الغيوب التي غابت وخفيت عن الخلق ﴿ قل جآء الحق ﴾ أي جاء نور الحق وسطع ضياؤه وهو الإسلام ﴿ وما يبدىء الباطل وما يعيد ﴾ أي ذهب الباطل بالمرة فليس له بدء ولا عود، قال الزمخشري: إذا هلك الإنسان لم يبق له إبداء ولا إعادة، فجعلوا قولهم لا يبدىء ولا يعيد مثلا في الهلاك والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل كقوله تعالى:
وقل جآء الحق وزهق الباطل
[الإسراء: 81] ﴿ قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إن حصل لي ضلال - كما زعمتم - فإن إثم ضلالي على نفسي لا يضر غيري ﴿ وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ﴾ أي وإن اهتديت إلى الحق فبهداية الله وتوفيقه ﴿ إنه سميع قريب ﴾ أي سميع لمن دعاه، قريب الإجابة لمن رجاه، قال أبو السعود: يعلم قول كل من المهتدي والضال وفعله وإن بالغ في إخفائهما ﴿ ولو ترى إذ فزعوا ﴾ أي ولو ترى يا محمد حال المشركين عند فزعهم إذا خرجوا من قبورهم ﴿ فلا فوت ﴾ أي فلا مخلص لهم ولا مهرب ﴿ وأخذوا من مكان قريب ﴾ أي أخذوا من الموقف - أرض المحشر - إلى النار، وجواب ﴿ لو ﴾ محذوف تقديره: لرأيت أمرا عيظما وخطبا جسيما ترتعد له الفرائص ﴿ وقالوا آمنا به ﴾ أي وقالوا عندما عاينوا العذاب آمنا بالقرآن وبالرسول ﴿ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ﴾ أي ومن أين لهم تناول الإيمان وهم الآن في الآخرة ومحل الإيمان في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا فصارت منهم بمكان بعيد؟ قال أبو حيان: مثل حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعد كما يتناوله الآخر من قرب ﴿ وقد كفروا به من قبل ﴾ أي والحال أنهم قد كفروا بالقرآن وبالرسول من قبل ذلك في الدنيا، فكيف يحصل لهم الإيمان بهما في الآخرة! ﴿ ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ﴾ أي يرمون بظنونهم في الأمور المغيبة فيقولون: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار قال القرطبي: والعرب تقول لكل من تكلم بما لا يعرف هو يقذف ويرجم بالغيب، وعلى جهة التمثيل لمن يرمي ولا يصيب ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ أي وحيل بينهم وبين الإيمان ودخول الجنان ﴿ كما فعل بأشياعهم من قبل ﴾ أي كما فعل بأشباههم في الكفر من الأمم السابقة ﴿ إنهم كانوا في شك مريب ﴾ أي كانوا في الدنيا في شك وارتياب من أمر الحساب والعذاب، وقوله: ﴿ مريب ﴾ من باب التأكيد كقولهم: عجب عجيب.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- الطباق بين ﴿ يبسط..و.. يقدر ﴾ وبين ﴿ نفعا..و.. ضرا ﴾ وبين ﴿ مثنى..و.. فرادى ﴾.
2- المقابلة بين عاقبة الأبرار والفجار ﴿ إلا من آمن وعمل صالحا.. والذين يسعون في آياتنا معاجزين ﴾.
3- الالتفات من الغائب إلى المخاطب ﴿ ومآ أموالكم ولا أولادكم ﴾ والغرض المبالغة في تحقيق الحق.
4- أسلوب التقريع والتوبيخ ﴿ أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾؟ الخطاب للملائكة تقريعا للمشركين.
5- وضع الظاهر موضع الضمير لتسجيل جريمة الكفر عليهم ﴿ وقال الذين كفروا للحق ﴾ والأصل وقالوا.
6- الإيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه ﴿ ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ﴾ حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه أي ما أموالكم بالتي تقربكم ولا أولادكم بالذين يقربونكم عندنا.
7- الاستعارة ﴿ بين يدي عذاب شديد ﴾ استعار لفظ اليدين لما يكون من الأهوال والشدائد أمام الإنسان.
8- الكناية اللطيفة ﴿ وما يبدىء الباطل وما يعيد ﴾ كناية عن زهوق الباطل ومحو أثره.
9- الاستعارة التصريحية ﴿ ويقذفون بالغيب من مكان بعيد ﴾ شبه الذي يقول بغير علم، ويظن ولا يتحقق، بالإنسان يرمي غرضا وبينه وبينه مسافة بعيدة فلا يكون سهمه صائبا واستعار لفظ القذف للقول.