تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34.34-54

المناسبة: لما ذكر تعالى قصة أهل سبأ وكفرهم بنعم الله، وما أعقب ذلك من تبديل النعمة إلى النقمة، ذكر هنا اغترار المشركين بالمال والبنين، وتكذيبهم لرسول الله عليه السلام، وختم السورة الكريمة ببيان مصرع الغابرين، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخويفا وتحذيرا للمشركين.

اللغة: ﴿ مترفوهآ ﴾ المترف: المنعم المتقلب في الغنى والعز والجاه ﴿ يبسط ﴾ يوسع ﴿ ويقدر ﴾ يقتر ﴿ زلفى ﴾ قربى ﴿ إفك ﴾ كذب مختلق ﴿ معشار ﴾ المعشار: العشر، قال الجوهري: ومعشار الشيء عشره، فهما لغتان ﴿ نكير ﴾ أصلها نكيري حذفت الياء لمراعاة الفواصل قال الزجاج: النكير: اسم بمعنى الإنكار ﴿ جنة ﴾ بكسر الجيم أي جنون ﴿ فوت ﴾ نجاة ومهرب ﴿ التناوش ﴾ التناول قال الزمخشري: والتناوش والتناول أخوان، إلا أن التناوش تناول سهل لشيء قريب، ومنه المناوشة في القتال وذلك عند تداني الفريقين، قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذه ناشه.

التفسير: ﴿ ومآ أرسلنا في قرية من نذير ﴾ أي لم نبعث في أهل قرية رسولا من الرسل ينذرهم عذابنا ﴿ إلا قال مترفوهآ ﴾ أي إلا قال أهل الغنى والتنعم في الدنيا ﴿ إنا بمآ أرسلتم به كافرون ﴾ أي لا نؤمن برسالتكم ولا نصدقكم بما جئتم به، قال قتادة: المترفون هم جبابرتهم وقادتهم ورؤساؤهم في الشر، وهم الذين يبادرون إلى تكذيب الأنبياء، والقصد بالآية تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب أكابر قريش له ﴿ وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا ﴾ أي وقال مشركو مكة: نحن أكثر أموالا وأولادا من هؤلاء الضعفاء المؤمنين ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ أي إن الله لا يعذبنا لأنه راض عنا، ولو لم يكن راضيا عنا لما بسط لنا في الرزق، قاسوا أمر الدنيا على الآخرة، وظنوا أن الله كما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا لا يعذبهم في الآخرة، قال أبو حيان: نص تعالى على المترفين لأنهم أول المكذبين للرسل، لما شغلوا به من زخرف الدنيا، وما غلب على عقولهم منها، فقلوبهم أبدا مشغولة منهمكة، بخلاف الفقراء فإنهم خالون من مستلذات الدنيا، فقلوبهم أقبل للخير ولذلك كانوا أكثر أتباع الأنبياء ﴿ قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر ﴾ أي قل لهم يا محمد: إن توسعة الرزق وتضييقه ليس دليلا على رضى الله، فقد يوسع الله على الكافر والعاصي، ويضيق على المؤمن والمطيع ابتلاء وامتحانا، فلا تظنوا أن كثرة الأموال والأولاد دليل المحبة والسعادة، بل هي تابعة للحكمة والمشيئة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أي ولكن أكثر هؤلاء الكفرة لا يعلمون الحقيقة، فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة، وكثيرا ما يكون للاستدراج كما قال تعالى:

سنستدرجهم من حيث لا يعلمون

[الأعراف: 182] ولهذا أكد ذلك بقوله: ﴿ ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ﴾ أي ليست أموالكم ولا أولادكم التي تفتخرون بها وتكاثرون هي التي تقربكم من الله قربى، وإنما يقرب الإيمان والعمل الصالح، قال الطبري: الزلفى: القربى، ولا يعتبر الناس بكثرة المال والولد، ولهذا قال تعالى بعده ﴿ إلا من آمن وعمل صالحا ﴾ أي إلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله، ويعلم ولده الخير ويربيه على الصلاح فإن هذا الذي يقرب من الله ﴿ فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا ﴾ أي تضاعف حسناتهم، الحسنة بعشر أمثالها وبأكثر إلى سبعمائة ضعف ﴿ وهم في الغرفات آمنون ﴾ أي وهم في منازل الجنة العالية آمنون من كل عذاب ومكروه، ولما ذكر جزاء المؤمنين، ذكر عقاب الكافرين، ليظهر التباين بين الجزاءين فقال ﴿ والذين يسعون في آياتنا معاجزين ﴾ أي يسعون في الصد عن سبيل الله، واتباع آياته ورسله، معاندين لنا يظنون أنهم يفوتوننا بأنفسهم ﴿ أولئك في العذاب محضرون ﴾ أي فهم مقيمون في العذاب، محضرون يوم القيامة للحساب ﴿ قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له ﴾ أي قل يا محمد: إن ربي يوسع الرزق لمن يشاء من خلقه، ويقتر على من يشاء، فلا تغتروا بالأموال التي رزقكم الله إياها، قال في التسهيل: كررت الآية لاختلاف القصد، فإن القصد بالأول الكفار، والقصد هنا ترغيب المؤمنين بالإنفاق ﴿ ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه ﴾ أي وما أنفقتم في سبيل الله قليلا أو كثيرا فإن الله تعالى يعوضه عليكم إما عاجلا أو آجلا ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ أي هو تعالى خير المعطين، فإن عطاء غيره بحساب، وعطاؤه تعالى بغير حساب، قال المفسرون: لما بين أن الإيمان والعمل الصالح هو الذي يقرب البعد إلى ربه، ويكون مؤديا إلى تضعيف حسناته، بين أن نعيم الآخرة لا ينافي سعة الرزق في الدنيا، بل الصالحون قد يبسط لهم الرزق في الدنيا، مع ما لهم في الآخرة من الجزاء الأوفى والمثوبة الحسنى بمقتضى الوعد الإلهي ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ أي واذكر يوم يحشر الله المشركين جيمعا من تقدم ومن تأخر للحساب والجزاء ﴿ ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ للمشركين أي أهؤلاء عبدوكم من دوني وأنتم أمرتموهم بذلك؟ قال الزمخشري: هذا الكلام خطاب للملائكة وتقريع للكفار، وارد على المثل السائر " إياك أعني واسمعي يا جارة " ونحوه قوله تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٤٤