تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله

[المائدة: 116]؟ وقد علم سبحانه أن الملائكة وعيسى منزهون عما نسب إليهم، والغرض من السؤال والجواب أن يكون تقريع للمشركين أشد، وخجلهم أعظم ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ﴾ أي تعاليت وتقدست يا ربنا عن أن يكون معك إله، أنت ربنا ومعبودنا الذي نتولاه ونعبده ونخلص له العبادة، ونحن نتبرأ إليك منهم ﴿ بل كانوا يعبدون الجن ﴾ أي بل كانوا يعبدون الشياطين لأنهم هم الذي زينوا لهم عبادة غير الله فأطاعوهم ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ قال الطبري: أي أكثرهم بالجن مصدقون يزعمون أنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا قال تعالى ردا على مزاعم المشركين ﴿ فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ﴾ أي ففي هذا اليوم - يوم الحساب - لا ينفع العابدون ولا المعبودون بعضهم لبعض، لا بشفاعة ونجاة، ولا بدفع عذاب وهلاك، قال أبو السعود: يخاطبون بذلك على رءوس الأشهاد إظهارا لعجزهم وقصورهم عن نفع عابديهم، وإظهارا لخيبة رجائهم بالكلية، ونسبة عدم النفع والضر إلى البعض للمبالغة في المقصود، كأن نفع الملائكة لعبدتهم في الاستحالة كنفع العبدة لهم ﴿ ونقول للذين ظلموا ﴾ أي ونقول للظالمين الذين عبدوا غير الله ﴿ ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ﴾ أي ذوقوا عذاب جهنم التي كذبتم بها في الدنيا فها قد وردتموها، ثم بين تعالى لونا آخر من كفرهم وضلالهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ﴾ أي وإذا تليت على هؤلاء المشركين آيات القرآن واضحات المعاني، بينات الإعجاز، وسمعوها غضة طرية من لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم ﴾ أي ما هذا الذي يزعم الرسالة إلا رجل مثلكم يريد أن يمنعكم عما كان يعبد أسلافكم من الأوثان والأصنام ﴿ وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى ﴾ أي ما هذا القرآن إلا كذب مختلق على الله ﴿ وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر مبين ﴾ أي وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على الله ومكابرتهم للحق النير: ما هذا القرآن إلا سحر واضح ظاهر لا يخفى على لبيب، قال الزمخشري: وفيه تعجيب من أمرهم بليغ، حيث بتوا القضاء على أنه سحر، ثم بتوه على أنه بين ظاهر، كل عاقل تأمله سماه سحرا وفي قوله: ﴿ لما جآءهم ﴾ المبادهة بالكفر من غير تأمل، ثم بين تعالىأنهم لم يقولوا ذلك عن بينة، ولم يكذبوا محمدا عن يقين، بل عن ظن وتخمين فقال: ﴿ ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها ﴾ أي وما أنزلنا على أهل مكة كتابا قبل القرآن يقرءون فيه ويتدارسونه ﴿ ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير ﴾ أي وما بعثنا إليهم قبلك يا محمد رسولا ينذرهم عذاب الله، فمن أين كذبوك؟ قال الطبري: أي ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار مآ آتيناهم ﴾ أي وكذب قبلهم أقوام من الأمم السابقين وما بلغ كفار مكة عشر ما آتينا الأمم التي كانت قبلهم من القوة والمال وطول العمر قال ابن عباس: ﴿ معشار مآ آتيناهم ﴾ أي من القوة في الدنيا ﴿ فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ﴾ أي وحيث كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، ولم يغن عنهم ما كانوا فيه من القوة، فكيف حال هؤلاء إذا جاءهم العذاب والهلاك؟ وفيه تهديد لقريش ﴿ قل إنمآ أعظكم بواحدة ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إنما أنصحكم وأوصيكم بخصلة واحدة ثم فسرها بقوله: ﴿ أن تقوموا لله مثنى وفرادى ﴾ أي هي أن تتحروا الحق لوجه الله والتقرب له مجتمعين ووحدانا، أو اثنين اثنين وواحدا واحدا، قال القرطبي: وهذا القيام معناه القيام إلى طلب الحق، لا القيام الذي هو ضد القعود ﴿ ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة ﴾ أي ثم تتفكروا في أمر محمد لتعلموا أن من ظهر على يديه هذا الكتاب المعجز لا يمكن أن يكون مس من الجنون أو يكون مجنونا، قال أبو حيان: ومعنى الآية: إنما أعظكم بواحدة فيها إصابتكم الحق وهي أن تقوموا لوجه الله متفرقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا، ثم تتفكروا في أمر محمد وما جاء به، وإنما قال ﴿ مثنى وفرادى ﴾ لأن الجماعة يكون مع اجتماعهم تشويش الخاطر والمنع من التفكر، كما يكون في الدروس التي يجتمع بها الجماعة، وأما الاثنان إذا نظرا نظر إنصاف وعرض كل واحد منهما على صاحبه ما ظهر له فلا يكاد الحق أن يعدوهما، وإذا كان الواحد جيد الفكر عرف الحق، فإذا تفكروا عرفوا أن نسبته عليه السلام للجنون لا يمكن، ولا يذهب إلى ذلك عاقل ﴿ إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ﴾ أي ما هو إلا رسول منذر لكم إن كفرتم من عذاب شديد في الآخرة ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ﴾ أي لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا قال الطبري: المعنى إني لم أسألكم على ذلك جعلا فتتهموني وتظنوا أني إنما دعوتكم إلى اتباعي لمال آخذه منكم ﴿ إن أجري إلا على الله ﴾ أي ما أجري وثوابي إلا على الله رب العالمين ﴿ وهو على كل شيء شهيد ﴾ أي هو تعالى رقيب وحاضر على أعمالي وأعمالكم، لا يخفى عليه شيء وسيجازي الجميع، قال أبو السعود: أي هو مطلع يعلم صدقي وخلوص نيتي ﴿ قل إن ربي يقذف بالحق ﴾ أي يبين الحجة ويظهرها قال ابن عباس: يقذف الباطل بالحق كقوله:

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٤٥