تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون

[الذاريات: 17-18] قال مجاهد: يعني بذلك قيام الليل ﴿ يدعون ربهم خوفا وطمعا ﴾ أي يدعون ربهم خوفا من عذابه وطمعا في رحمته وثوابه ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ أي ومما أعطيناهم من الرزق ينفقون في وجوه البر والحسنات ﴿ فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ﴾ أي فلا يعلم أحد من الخلق مقدار ما يعطيهم الله من النعيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿ جزآء بما كانوا يعملون ﴾ أي ثوابا لما قدموه في الدنيا من صالح الأعمال.

32.18-30

المناسبة: لما ذكر تعالى حال المجرمين في الآخرة، وحال المؤمنين المتقين، وما أعده لهم من الكرامة في دار النعيم، ذكر هنا أنه لا يتساوى الفريقان: فريق الأبرار، وفريق الفجار لأن عدالة الله تقتضي التمييز بين المؤمن الصالح، والفاسق الفاجر.

اللغة: ﴿ فاسقا ﴾ الفاسق: الخارج عن طاعة الله ﴿ نزلا ﴾ ضيافة وعطاء، والنزل ما يهيأ للنازل والضيف قال الشاعر:

وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا

جعلنا القنا والمرهفات له نزلا

﴿ الجرز ﴾ اليابسة الجرداء التي لا نبات فيها، والجرز: القطع قال الزمخشري: الجرز: الأرض التي جرز نباتها أي قطع، إما لعدم الماء أو لأنه رعي وأزيل، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز ﴿ الفتح ﴾ الحاكم ويقال للحاكم: فاتح وفتاح لأنه يفصل بين الناس بحكمه ﴿ ينظرون ﴾ يمهلون ويؤخرون.

سبب النزول: روي أنه كان بين " علي بن أبي طالب " و " عقبة بن أبي معيط " تنازع وخصومة، فقال الوليد بن عقبة لعلي: أسكت فإنك صبي، وأنا والله أبسط منك لسانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة، فقال له علي: اسكت فإنك فاسق فنزلت ﴿ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ﴾.

التفسير: ﴿ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ﴾؟ أي أفمن كان في الحياة الدنيا مؤمنا متقيا لله، كمن كان فاسقا خارجا عن طاعة الله؟ ﴿ لا يستوون ﴾ أي لا يستوون في الآخرة بالثواب والكرامة، كما لم يستووا في الدنيا بالطاعة والعبادة، وهذه الآية كقوله تعالى

أفنجعل المسلمين كالمجرمين

[القلم: 35] قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عدله وكرمه، أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة، من كان مؤمنا بآياته متبعا لرسله، بمن كان فاسقا أي خارجا عن طاعة ربه، مكذبا رسل الله، ثم فصل تعالى جزاء الفريقين فقال ﴿ أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي أما المتقون الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ﴿ فلهم جنات المأوى ﴾ أي لهم الجنات التي فيها المساكن والدور والغرف العالية يأوون إليها ويستمتعون بها قال البيضاوي: فالجنة هي المأوى الحقيقي، والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة ﴿ نزلا بما كانوا يعملون ﴾ أي ضيافة مهيأة ومعدة لإكرامهم كما تهيأ التحف للضيف وذلك بسبب ما قدموه من صالح الأعمال ﴿ وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ﴾ أي وأمأ الذين خرجوا عن طاعة الله فملجؤهم ومنزلهم نار جهنم ﴿ كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها ﴾ أي إذا دفعهم لهب النار إلى أعلاها ردوا إلى موضعهم فيها قال الفضيل بن عياض: والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم ﴿ وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ﴾ أي وتقول لهم خزنة جهنم تقريعا وتوبيخا: ذوقوا عذاب النار المخزي الذي كنتم تكذبون به في الدنيا وتهزءون منه، ثم توعدهم بعذاب عاجل في الدنيا فقال ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ﴾ أي ولنذيقنهم من العذاب الأقرب وهو عذاب الدنيا من القتل والأسر والبلايا والمحن قال الحسن: العذاب الأدنى: مصائب الدنيا وأسقامها مما يبتلى به العبيد حتى يتوبوا وقال أبو مجاهد: القتل والجوع ﴿ دون العذاب الأكبر ﴾ أي قبل العذاب الأكبر الذي ينتظرهم وهو عذاب الآخرة ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ أي لعلهم يتوبون عن الكفر والمعاصي، ثم بعد أن توعدهم وهددهم بين استحقاقهم للعذاب فقال ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنهآ ﴾ أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ وذكر بآيات الرحمن، ثم ترك الإيمان وتناساها؟ ﴿ إنا من المجرمين منتقمون ﴾ أي سأنتقم ممن كذب بآياتي أشد الانتقام، ووضع الاسم الظاهر مكان الضمير لتسجيل الإجرام عليهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي أعطينا موسى التوراة ﴿ فلا تكن في مرية من لقآئه ﴾ أي فلا تكن يا محمد في شك من تلقي القرآن كما تلقى موسى التوراة، والمقصود تقرير رسالته عليه السلام، وتحقيق أن ما معه من الكتاب وحي سماوي وكتاب إلهي ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ أي جعلنا التوراة هداية لبني إسرائيل من الضلالة ﴿ وجعلنا منهم أئمة ﴾ أي جعلنا منهم قادة وقدوة يقتدى بهم في الخير ﴿ يهدون بأمرنا ﴾ أي يدعون الخلق إلى طاعتنا ويرشدونهم إلى الدين بأمرنا وتكليفنا ﴿ لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ﴾ أي حين صبروا على تحمل المشاق في سبيل الله، وكانوا يصدقون بآياتنا أشد التصديق وأبلغه قال ابن الجوزي: وفي هذا تنبيه لقريش أنكم إن أطعتم وآمنتم جعلت منكم أئمة ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ أي إن ربك يا محمد يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار، فيميز بين المحق والمبطل يوم القيامة، ويجازي كلا بما يستحق، فيما اختلفوا فيه من أمور الدين قال الطبري: فيما كانوا فيه يختلفون من أمور الدين، والبعث، والثواب والعقاب، ثم نبه تعالى على آثار قدرته في مخلوقاته، وأقام الحجة على الكفار بالأمم السالفة الذين كفروا فأهلكوا فقال ﴿ أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون ﴾ أي أغفل هؤلاء المشركون ولم يتبين لهم كثرة من أهلكناهم من الأمم الماضية الذين كذبوا رسل الله؟ ﴿ يمشون في مساكنهم ﴾ أي حال كون أهل مكة يسيرون في دورهم، ويشاهدون في أسفارهم منازل هؤلاء المهلكين أفلا يعتبرون؟ قال ابن كثير: أي وهؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك الظالمين، فلا يرون فيها أحدا ممن كان يسكنها ويعمرها ﴿ إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ﴾ أي إن في إهلاكهم لدلالات عظيمة على قدرتنا، أفلا يسمعون سماع تدبر واتعاظ؟ ثم ذكر تعالى دلائل الوحدانية فقال ﴿ أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ﴾ أي أولم يشاهدوا كمال قدرتنا في سوقنا الماء إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها من شدة العطش لنحييها؟ ﴿ فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ﴾ أي فنخرج بذلك الماء أنواع الزروع والثمار، تأكل منه دوابهم من الكلأ والحشيش، وأنفسهم من الحب والخضر والفواكه والبقول ﴿ أفلا يبصرون ﴾ أي أفلا يبصرون ذلك فيستدلون به على كمال قدرته تعالى وفضله، ويعلمون أن الذي أحيا الأرض الميتة قادر على إعادتهم بعد وفاتهم؟ ﴿ ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ﴾ أي ويقول كفار مكة للمسلمين على سبيل السخرية والتهكم: متى ستنصرون علينا ويكون لكم الغلبة والفتح علينا؟ إن كنتم صادقين في دعواكم قال الصاوي: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين، ويفصل بيننا وبينهم، وكان أهل مكة إذا سمعوهم يقولون بطريق الاستعجال تكذيبا واستهزاء: متى هذا الفتح فنزلت ﴿ قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ﴾ أي قل لهم يا محمد توبيخا وتبكيتا: إن يوم القيامة هو يوم الفتح الحقيقي الذي يفصل تعالى فيه بيننا وبينكم، ولا ينفع فيه الإيمان ولا الاعتذار فلماذا تستعجلون؟ ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ أي ولا هم يؤخرون ويمهلون للتوبة قال البيضاوي: ويوم الفتح هو يوم القيامة فإنه يوم نصر المؤمنين على الكافرين والفصل بينهم، وقيل هو يوم بدر ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أي فأعرض يا محمد عن هؤلاء الكفار ولا تبال بهم ﴿ وانتظر إنهم منتظرون ﴾ أي وانتظر ما يحل بهم من عذاب الله، إنهم منتظرون كذلك ما يحل بكم قال القرطبي: أي ينتظرون بكم حوادث الزمان.

صفوة التفاسير · الصفحة ٥٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٥٢٢