وآمنهم من خوف
[قريش: 4] ﴿ يعبدونني لا يشركون بي شيئا ﴾ استئناف بطريق الثناء عليهم كالتعليل للاستخلاف في الأرض أي يوحدونني ويخلصون لي العبادة، لا يعبدون إلها غيري ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ أي فمن جحد شكر النعم ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ هم الخارجون عن طاعة الله، العاصون أمر الله قال أبو العالية: أي من كفر بهذه النعمة وليس يعني الكفر بالله قال الطبري: وهو أشبه بتأويل الآية لأن الله وعد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية بأنه منعم به عليهم ثم قال ﴿ ومن كفر ﴾ أي كفر هذه النعمة ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ أي أقيموا أيها المؤمنون الصلاة وأدوا الزكاة على الوجه الأكمل الذي يرضي الله ﴿ وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ﴾ أي أطيعوا الرسول في سائر ما أمركم به رجاء الرحمة ﴿ لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعد له بالنصرة أي لا تظنن يا محمد الكافرين الذين عاندوك وكذبوك معجزين لله في هذه الحياة بل الله قادر عليهم في كل حين وأن ﴿ ومأواهم النار ﴾ أي مرجعهم نار جهنم ﴿ ولبئس المصير ﴾ أي بئس المرجع والمآل الذي يصيرون إليه ﴿ يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم ﴾ أي يا أيها المؤمنون الذين صدقوا الله ورسوله وأيقنوا بشريعة الإسلام نظاما وحكما ومنهاجا ليستأذنكم في الدخول عليكم العبيد والإماء الذين تملكونهم ملك اليمين ﴿ والذين لم يبلغوا الحلم منكم ﴾ أي والأطفال الذين لم يبلغوا مبلغ الرجال الأحرار ليستأذنوا أيضا ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي في ثلاثة أوقات ﴿ من قبل صلوة الفجر ﴾ أي في الليل وقت نومكم وخلودكم إلى الراحة ﴿ وحين تضعون ثيبكم من الظهيرة ﴾ أي وقت الظهر حين تخلعون ثيابكم للقيلولة ﴿ ومن بعد صلوة العشآء ﴾ أي ووقت إرادتكم النوم واستعدادكم له ﴿ ثلاث عورات لكم ﴾ اي هي ثلاثة أوقات يختل فيها تستركم، العورات فيها بادية والتكشف فيها غالب، فعلموا عبيدكم وخدمكم وصبيانكم ألا يدخلوا عليكم في هذه الأوقات إلا بعد الاستئذان ﴿ ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ﴾ أي ليس عليكم ولا على المماليك والصبيان حرج في الدخول عليكم بغير استئذان بعد هذه الأوقات الثلاثة ﴿ طوفون عليكم بعضكم على بعض ﴾ أي لأنهم خدمكم يطوفون عليكم للخدمة وغير ذلك قال أبو حيان: أي يمضون ويجيئون ويدخلون عليكم في المنازل غدوة وعشية بغير إذن إلا في تلك الأوقات ﴿ كذلك يبين الله لكم الأيت ﴾ أي مثل ذلك التوضيح والبيان يبين الله لكم الأحكام الشرعية لتتأدبوا بها ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي عالم بأمور خلقه، حكيم في تدبيره لهم ﴿ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ﴾ أي وإذا بلغ هؤلاء الأطفال الصغار مبلغ الرجال وأصبحوا في سن التكليف ﴿ فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ﴾ أي فعلموهم الأدب السامي أن يستأذنوا في كل الأوقات كما يستأذن الرجال البالغون ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ أي يفصل لكم أمور الشريعة والدين ﴿ والله عليم حكيم ﴾ أي عليم بخلقه حكيم في تشريعه قال البيضاوي: كرره تأكيدا ومبالغة في الأمر بالاستئذان ﴿ والقواعد من النسآء ﴾ أي والنساء العجائز اللواتي قعدن عن التصرف وطلب الزواج لكبر سنهن ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحا ﴾ أي لا يطمعن في الزواج ولا يرغبن فيه لانعدام دوافع الشهوة فيهن ﴿ فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ﴾ اي لا حرج ولا إثم عليهن في أن يضعن بعض ثيابهن كالرداء والجلباب، ويظهرن أمام الرجال بملابسهن المعتادة التي لا تلفت انتباها، ولا تثير شهوة ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير متظاهرات بالزينة لينظر إليهن قال أبو حيان: وحقيقة التبرج إظهار ما يجب إخفاؤه، ورب عجوز شمطاء يبدو منها الحرص على أن يظهر بها جمال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ أي وأن يستترن بارتداء الجلباب ولبس الثياب كما تلبسه الشابات من النساء، مبالغة في التستر والتعفف خير لهن وأكرم، وأزكى عند الله وأطهر ﴿ والله سميع عليم ﴾ أي يعلم خفايا النفوس ويجازي كل إنسان بعمله، وفيه وعد وتحذير ﴿ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ﴾ أي ليس على أهل الأعذار " الأعمى، والأعرج، والمريض " حرج ولا إثم في القعود عن الغزو لضعفهم وعجزهم ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ﴾ أي وليس عليكم أيها الناس إثم أن تأكلوا من بيوت أزواجكم وعيالكم قال البيضاوي: فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيت الولد كبيته لقوله عليه السلام: إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه، وإن ولده من كسبه ﴿ أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم ﴾ أي لا حرج في الأكل من بيوت هؤلاء الأقارب قال الرازي: والظاهر أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان لأن العادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل الأقارب ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ أي البيوت التي توكلون عليه وتملكون مفاتيحها في غياب أهلها قال عائشة: كان المسلمون يذهبون مع رسول الله في الغزو ويدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ويقولون: قد أحللنا لكم الأكل منها فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا ان نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم وإنما نحن أمناء فأنزل الله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ ﴿ أو صديقكم ﴾ أي أو بيوت أصدقائكم وأصحابكم قال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ﴾ أي ليس عليكم إثم أو حرج أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين قال المفسرون: نزلت في حي من كنانة كان الرجل منهم لا يأكل وحده، يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا: وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه فأخبرهم تعالى بأن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه ﴿ فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ﴾ أي إذا دخلتم بيوتا مسكونة فسلموا على من فيها من الناس ﴿ تحية من عند الله مباركة طيبة ﴾ أي حيوهم بتحية الإسلام " السلام عليكم " وهي التحية المباركة الطيبة التي شرعها الله لعباده المؤمنين قال القرطبي: وصفها بالبركة لأنه فيها الدعاء واستجلاب المودة، ووصفها بالطيب لأن سامعها يستطيبها ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ﴾ قال ابن كثير: لما ذكر تعالى في هذه السورة الكريمة من الأحكام المحكمة، والشرائع المبرمة، نبه عباده على أنه يبين لهم الآيات بيانا شافيا ليتدبروها ويتعقلوها لعلهم يعقلون ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ﴾ أي إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان الذي صدقوا الله ورسوله تصديقا جازما لا يخالجه شك ﴿ وإذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ أي وإذا كانوا مع الرسول في أمر هام فيه مصلحة للمسلمين ﴿ لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﴾ أي لم يتركوا مجلسه حتى يستأذنوه فيأذن لهم قال المفسرون: نزلت هذه الآية في وقت حفر الخندق، فإن بعض المؤمنين كانوا يستأذنون في الانصراف لضرورة، وكان المنافقون يذهبون بغير استئذان فنزلت تمدح المؤمنين الخالصين، وتعرض بذم المنافقين ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ هذا توكيد لما تقدم ذكره تفخيما وتعظيما لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم أي إن الذين يستأذنونك يا محمد أولئك هم المؤمنون حقا قال البيضاوي: أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ فإن جعل المستأذنين هم المؤمنين عكس الأسلوب الأول وفيه تأكيد للأول بذكر لفظ الله ورسوله فيكون مصداقا ودليلا على صحة الإيمان ﴿ فإذا استأذنوك لبعض شأنهم ﴾ أي فإذا استأذنك هؤلاء المؤمنون لبعض شئونهم ومهامهم ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ أي فاسمح لمن أحببت بالانصراف إن كان فيه حكمة ومصلحة ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ أي وادع الله لهم بالعفو والمغفرة فإن الاستئذان ولو لعذر قصور لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ أي عظيم العفو واسع الرحمة ﴿ لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا ﴾ أي لا تنادوا الرسول باسمه كما ينادي بعضكم بعضا باسمه بل قولوا: يا نبي الله ويا رسول الله تفخيما لمقامه وتعظيما لشأنه قال أبو حيان: لما كان التداعي بالأسماء على عادة البداوة أمروا بتوقير رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائه بأحسن ما يدعى به نحو يا رسول الله، يا نبي الله، ألا ترى إلى بعض جفاة من أسلم كان يقول يا محمد فنهوا عن ذلك قال قتادة: أمرهم تعالى أن يفخموه ويشرفوه ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ﴾ أي قد علم الله الذين ينسلون قليلا ويخرجون من الجماعة في خفية يستتر بعضهم ببعض قال الطبري: واللواذ هو أن يلوذ القوم بعضهم ببعض، يستتر هذا بهذا وهذا بهذا ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴾ أي فليخف الذين يخالفون أمر الرسول ويتركون سبيله ومنهجه وسنته ﴿ أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ أي تنزل بهم محنة عظيمة في الدنيا أو ينالهم عذاب شديد في الآخرة ﴿ ألا إن لله ما في السموت والأرض ﴾ أي له جل وعلا ما في الكون ملكا وخلقا وعبيدا ﴿ قد يعلم مآ أنتم عليه ﴾ أي قد علم ما نفوسكم من الإيمان أو النفاق، والإخلاص أو الرياء ﴿ ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ﴾ أي ويوم القيامة يرجعون إليه فيخبرهم بما فعلوا في الدينا من صغير وكبير، وجليل وحقير ويجازي كلا بعمله ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ أي لا يخفى عليه خافية لأن الكل خلقه وملكه.