تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لطيفة: ذكر أن قسيسا أراد أن ينال من المسلمين بالطعن في أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، فقال: إن الناس رموها بالإفك ولا ندري أهي بريئة أم متهمة؟ فأجابه بضع الحاضرين بقوله: إسمع يا هذا، هناك امرأتان اتهمتا بالزنى وقد برأهما القرآن الكريم، إحداهما ليس لها زوج وقد جاءت بولد، والأخرى لها زوج ولم يأتها ولد - يقصد مريم وعائشة - فأيتهما أحرى بالتهمة؟ فخرس القسيس.

24.35-52

المناسبة: لما وصف تعالى نفسه بأنه أنزل آيات مبينات، وأقام دلائل واضحات على وحدانيته، واختصاصه بتشريع الأحكام التي بها سعادة المجتمع، عقبه بذكر مثلين: أحدهما في بيان أن دلائل الوحدانية والإيمان في غاية الظهور والثاني: في بيان أن أديان الكفرة في نهاية الظلمة والخفاء، وبالمقارنة بين المثلين يتضح الصبح لذي عينين.

اللغة: ﴿ مشكاة ﴾ المشكاة: الكوة في الحائط غير النافذة، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء ﴿ دري ﴾ متلألئ وقاد يشبه الدر في صفائه ولمعانه ﴿ سراب ﴾ السراب: ما يتراءى للعين وسط النهار عند اشتداد الحر يشبه الماء الجاري وليس بماء، سمي سرابا لأنه يسرب أي يجري كالماء قال الشاعر:

فلما كففنا الحرب كانت عهودكم

كلمع سراب بالفلا متألق

﴿ قيعة ﴾ قال الفراء: هو جمع قاع مثل جار وجيرة، والقاع المنبسط المستوي من الأرض وقال الزمخشري: القيعة بمعنى القاع وليس جمعا، وهكذا قال أبو عبيدة ﴿ لجي ﴾ اللجي: الذي لا يدرك قعره لعمقه، واللجة معظم الماء، والجمع لجج، والتج البحر: تلاطمت أمواجه ﴿ يزجي ﴾ الإزجاء: سوق الشيء برفق وسهولة ﴿ ركاما ﴾ مجتمعا يركب بعضه بعضا ﴿ الودق ﴾: المطر قال الليث: الودق المطر كله شديده وهينه ﴿ سنا ﴾: السنا الضوء واللمعان قال الشماخ:

وما كادت إذا رفعت سناها

ليبصر ضوءها إلا البصير

﴿ مذعنين ﴾ خاضعين منقادين، أذعن للأمر خضع له ﴿ يحيف ﴾ يجور ويظلم.

التفسير: ﴿ الله نور السموت والأرض ﴾ أي الله جل وعلا منور السماوات والأرض، أنار السماوات بالكواكب المضيئة، والأرض بالشرائع والأحكام وبعثة الرسل الكرام قال الطبري: أي هادي أهل السماوات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون وقال القرطبي: النور عند العرب: الضوء المدرك بالبصر واستعمل مجازا في المعاني فيقال كلام له نور قال الشاعر:

نسب كأن عليه من شمس الضحى

نورا ومن فلق الصباح عمودا

وقال جرير " وأنت لنا نور وغيث وعصمة " والناس يقولون: فلان نور البلد، وشمس العصر وقمره، فيجوز أن يقال: الله نور على جهة المدح لأن جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وبقدرته استقامت أمورها، وقال ابن عطاء الله: " الكون كله ظلمة أناره ظهور الحق فيه، إذ لولا وجود الله ما وجد شيء من العالم " وفي الحديث

" اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن "

وقال ابن مسعود: " ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض نور وجهه " وقال ابن القيم: سمى الله سبحانه نفسه نورا، وجعل كتابه نورا، ورسوله نورا، واحتجب عن خلقه بالنور، وقد فسرت الآية بأنه منور السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، وما قاله ابن مسعود أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض، وأما من فسرها بأنه منور السماوات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود ﴿ مثل نوره ﴾ أي مثل نور الله سبحانه في قلب عبده المؤمن ﴿ كمشكاة فيها مصباح ﴾ أي ككوة في الحائط لا منفذ لها ليكون أجمع للضوء وضع فيها سراج ثاقب ساطع قال في التسهيل: المعنى صفة نور الله وضوحه كصفة مشكاة فيها مصباح على أعظم ما يتصوره البشر من الإضاءة والإنارة، وإنما شبه بالمشكاة - وإن كان نور الله أعظم - لأن ذلك هو ما يدركه الناس من الأنوار ضرب لهم به المثل ﴿ المصباح في زجاجة ﴾ أي في قنديل من الزجاج الصافي ﴿ الزجاجة كأنها كوكب دري ﴾ أي تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها ﴿ يوقد من شجرة مباركة ﴾ أي يشعل ذلك المصباح من زيت شجرة مباركة ﴿ زيتونة ﴾ أي هي من شجر الزيتون الذي خصه الله بمنافع عديدة ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أي ليست في جهة الشرق ولا في جهة الغرب، وإنما هي في صحراء منكشفة تصيبها الشمس طول النهار لتكون ثمرتها أنضج، وزيتها أصفى قال ابن عباس: هي شجرة بالصحراء لا يظلها شجر، ولا جبل، ولا كهف، ولا يواريها شيء وهو أجود لزيتها ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ﴾ مبالغة في وصف صفاء الزيت وحسنه وجودته أي يكاد زيت هذه الزيتونة يضيء من صفائه وحسن ضيائه ولو لم تمسه نار، فكيف إذا مسته النار؟ ﴿ نور على نور ﴾ أي نور فوق نور فقد اجتمع نور السراج، وحسن الزجاجة، وصفاء الزيت، فاكتمل النور الممثل به ﴿ يهدي الله لنوره من يشآء ﴾ أي يوفق الله لاتباع نوره - وهو القرآن - من يشاء من عباده ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ أي يبين لهم الأمثال تقريبا لأفهامهم ليعتبروا ويتعظوا بما فيها من الأسرار والحكم ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ أي هو سبحانه واسع العلم لا يخفى عليه شيء من أمر الخلق، وفيه وعد ووعيد قال الطبري: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد مثل كوة في الحائط لا منفذ لها فيها مصباح أي سراج، وجعل السراج مثلا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات ثم قال ﴿ المصباح في زجاجة ﴾ وذلك مثل للقرآن في قلب المؤمن الذي أنار الله صدره فخلص من الكفر والشك، ثم قال ﴿ الزجاجة كأنها كوكب دري ﴾ أي كأن الزجاجة في صفائها وضيائها كوكب يشبه الدر في الصفاء والضياء والحسن ﴿ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ﴾ أي توقد هذا المصباح من دهن شجرة مباركة هي شجرة الزيتون، ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب فيكون زيتها أجود وأصفى وأضوأ ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ﴾ أي يكاد زيت هذه الزيتونة يضيء من صفائه وحسن ضيائه وعنى بها أن حجج الله على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر ولو لم يزدها الله بيانا ووضوحا بنزول هذا القرآن، فكيف وقد نبههم به وذكرهم بآياته فزادهم به حجة! وذلك بيان من الله ونور على البيان.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٥١