تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته "

﴿ ألم تكن آياتي تتلى عليكم ﴾ أي يقال لهم تعنيفا وتوبيخا: ألم تكن آيات القرآن الساطع تقرأ عليكم في الدنيا؟ ﴿ فكنتم بها تكذبون ﴾ أي فكنتم لا تصدقون بها مع وضوحها ﴿ قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ﴾ أي غلبت علينا شقاوتنا ﴿ وكنا قوما ضآلين ﴾ أي وكنا ضالين عن الهدى بسبب اتباعنا للملذات والأهواء ﴿ ربنآ أخرجنا منها ﴾ أي أخرجنا من النار وردنا إلى الدنيا ﴿ فإن عدنا فإنا ظالمون ﴾ أي فإن رجعنا إلى الكفر والمعاصي بعد ذلك نكون قد تجاوزنا الحد في الظلم العدوان. أقروا أولا بالإجرام ثم تدرجوا من الإقرار إلى الرغبة والتضرع فجاء الجواب بالتيئيس والزجر ﴿ قال اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ أي ذلوا في النار وانزجروا كما تزجر الكلاب ولا تكلموني في رفع العذاب قال في التسهيل: اخسئوا: كلمة تستعمل في زجر الكلاب ففيها إهانة وإبعاد ﴿ إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنآ آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين ﴾ قال مجاهد: هم بلال، وخباب، وصهيب وغيرهم من ضعفاء المسلمين كان أبو جهل وأصحابه يهزءون بهم ﴿ فاتخذتموهم سخريا ﴾ أي فسخرتم منهم واستهزأتم بهم ﴿ حتى أنسوكم ذكري ﴾ أي حتى نسيتم بتشاغلكم بهم واستهزائكم عليهم عن طاعتي وعبادتي ﴿ وكنتم منهم تضحكون ﴾ أي وكنتم تتضحكون عليهم في الدنيا ﴿ إني جزيتهم اليوم بما صبروا ﴾ أي جزيتهم بسبب صبرهم على أذاكم أحسن الجزاء ﴿ أنهم هم الفآئزون ﴾ أي أنهم هم الفائزون بالنعيم المقيم ﴿ قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ﴾ أي قال تعالى للكفار على سبيل التبكيت والتوبيخ: كم مكثتم في الدنيا وعمرتم فيها من السنين؟ ﴿ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ﴾ أي مكثنا يوما أو أقل من يوم ﴿ فسئل العآدين ﴾ أي الحاسبين المتمكنين من العد قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب المدة التي لبثوها ﴿ قال إن لبثتم إلا قليلا ﴾ أي ما أقمتم حقا في الدنيا إلا قليلا قال الرازي: كأنه قيل لهم: صدقتم ما لبثتم فيها إلا قليلا فقد انقضت ومضت، والغرض تعريفهم قلة أيام الدنيا في مقابلة أيام الآخرة ﴿ لو أنكم كنتم تعلمون ﴾ أي لو كان لكم علم وفهم لعرفتم حقارة الدنيا ومتاعها الزائل ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ﴾ أي أظننتم - أيها الناس - أنما خلقناكم باطلا وهملا بلا ثواب ولا عقاب كما خلقت البهائم ﴿ وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ أي وأنه لا رجوع لكم إلينا للجزاء؟ لا ليس الأمر كما تظنون وإنما خلقناكم للتكليف والعبادة ثم الرجوع إلى دار الجزاء ﴿ فتعالى الله ﴾ أي فتنزه وتقدس الله الكبير الجليل ﴿ الملك الحق ﴾ أي صاحب السلطان، المتصرف في ملكه بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإفناء، تنزه عن العبث والنقائض وعن أن يخلق شيئا سفها لأنه حكيم ﴿ لا إله إلا هو ﴾ أي لا رب سواه ولا خالق غيره ﴿ رب العرش الكريم ﴾ أي خالق العرش العظيم وصفه بالكريم لأن الرحمة والخير والبركة تنزل منه، ولنسبته إلى أكرم الأكرمين ﴿ ومن يدع مع الله إلها آخر ﴾ أي ومن يجعل لله شريكا ويعبد معه سواه ﴿ لا برهان له به ﴾ أي لا حجة له به ولا دليل ﴿ فإنما حسابه عند ربه ﴾ أي جزاؤه وعقابه عند الله ﴿ إنه لا يفلح الكافرون ﴾ أي لا يفوز ولا ينجح من جحد وكذب بالله ورسله، افتتح السورة بقوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ وختمها بقوله ﴿ إنه لا يفلح الكافرون ﴾ ليظهر التفاوت بين الفريقين فشتان ما بين البدء والختام.

﴿ وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ﴾ أمر رسوله بالاستغفار والاسترحام تعليما للأمة طريق الثناء والدعاء، اللهم اغفر لنا وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء، يا أرحم الراحمين، اللهم آمين.

البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٤٢