لما بالغ في الحجاج عليه بالآيات السابقة أعقبها بهذه الآية كالوعيد والتهديد، ثم بين بطلان الشريك والولد بالبرهان القاطع فقال ﴿ ما اتخذ الله من ولد ﴾ أي ما اتخذ الله ولدا مطلقا لا من الملائكة ولا من البشر ﴿ وما كان معه من إله ﴾ أي وليس معه من يشاركه في الألوهية والربوبية ﴿ إذا لذهب كل إله بما خلق ﴾ أي لو كان معه إله - كما زعم عبدة الأوثان - لانفرد كل إله بخلقه الذي خلق واستبد به، وتميز ملك كل واحد عن ملك الآخر ﴿ ولعلا بعضهم على بعض ﴾ أي ولغلب بعضهم على بعض كحال ملوك الدنيا قال ابن كثير: المعنى لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق، ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه فيعلو بعضهم على بعض وما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق غاية الكمال فدل على تنزه الله عن الولد والشريك ولهذا قال ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ أي تنزه الله وتقدس عما يصفه به الظالمون ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو تعالى العالم بما غاب عن الأنظار، وبما تدركه الأبصار، لا تخفى عليه خافية من شؤون الخلق ﴿ فتعالى عما يشركون ﴾ أي تقدس وتنزه عن الشريك والولد ﴿ قل رب إما تريني ما يوعدون ﴾ أي قل يا رب إن كان ولا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا ﴿ رب فلا تجعلني في القوم الظالمين ﴾ هذا جواب الشرط ﴿ إما ﴾ وكرر قوله ﴿ رب ﴾ مبالغة في الدعاء والتضرع أي رب فلا تجعلني في جملة الظالمين فأهلك بهلاكهم قال أبو حيان: ومعلوم أنه عليه السلام معصوم مما يكون سببا لجعله مع الظالمين ولكنه أمر أن يدعو بذلك إظهارا للعبودية وتواضعا لله ﴿ وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ﴾ أي ونحن قادرون على أن نريك العذاب الذي وعدناهم به ولكن نؤخره لحكمة ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيئة ﴾ أي ادفع إساءتهم بالصفح عنهم وتجمل بمكارم الأخلاق قال ابن كثير: أرشده إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يسيء إليه ليستجلب خاطره، فتعود عدواته صداقة، وبغضه محبة ﴿ نحن أعلم بما يصفون ﴾ أي نحن أعلم بحالهم وبما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء وسنجازيهم عليه ﴿ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ﴾ أي أعتصم بك من نزغات الشياطين ووساوسهم المغرية على الباطل والمعاصي ﴿ وأعوذ بك رب أن يحضرون ﴾ أي وأعتصم وأحتمي بك يا رب من أن يصيبوني بسوء أو يكونوا معي في أموري، كرر ذلك للمبالغة والاعتناء بشأن الاستعاذة ﴿ حتى إذا جآء أحدهم الموت ﴾ عاد الكلام عن المشركين أي حتى إذا حضر الموت أحدهم وعاين أهواله وشدائده ﴿ قال رب ارجعون ﴾ أي قال تحسرا على ما فرط منه: رب ردني إلى الدنيا، وصيغة الجمع للتعظيم ﴿ لعلي أعمل صالحا فيما تركت ﴾ أي لكي أعمل صالحا فيما ضيعت من عمري ﴿ كلا إنها كلمة هو قآئلها ﴾ ﴿ كلا ﴾ كلمة ردع وزجر أي لا رجوع إلى الدنيا فليرتدع عن ذلك فإن طلبه للرجعة كلام لا فائدة فيه ولا جدوى منه وهو ذاهب أدراج الرياح ﴿ ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ أي وأمامهم حاجز يمنعهم عن الرجوع إلى الدنيا - هو عالم البرزخ - الذي يحول بينهم وبين الرجعة يلبثون فيه إلى يوم القيامة قال مجاهد: البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ أي فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية وهي نفخة البعث والنشور ﴿ فلا أنساب بينهم يومئذ ﴾ أي فلا قرابة ولا نسب ينفعهم يوم القيامة لزوال التراحم والتعاطف من شدة الهول والدهشة بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ﴿ ولا يتسآءلون ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضا عن شأنه لاشتغال كل واحد بنفسه، ولا تنافي بينها وبين قوله
وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون
[الطور: 25] لأن يوم القيامة طويل وفيه مواقف ومواطن، ففي بعضها يتكلمون وفي بعضها لا ينطقون ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ أي فمن رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ أي فهم السعداء الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة ﴿ ومن خفت موازينه ﴾ أي زادت سيئاته على حسناته ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي فهم الأشقياء الذين خسروا سعادتهم الأبدية بتضييع أنفسهم وتدنيسها بالكفر والمعاصي ﴿ في جهنم خالدون ﴾ أي هم مقيمون في جهنم لا يخرجون منها أبدا ﴿ تلفح وجوههم النار ﴾ أي تحرقها بشدة حرها، وتخصيص الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء ﴿ وهم فيها كالحون ﴾ أي وهم في جهنم عابسون مشوهو المنظر قال ابن مسعود: قد بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم كالرأس المشيط بالنار، وفي الحديث