تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء

[الأحقاف: 26] وخص هذه الثلاثة بالذكر لعظم المنافع التي فيها ﴿ قليلا ما تشكرون ﴾ أي قليلا تشكرون ربكم، و ﴿ ما ﴾ لتأكيد القلة أي ما أقل شكركم لله على كثرة إفضاله وإنعامه عليكم؟ ﴿ وهو الذي ذرأكم في الأرض ﴾ أي خلقكم وبثكم في الأرض بطريق التناسل ﴿ وإليه تحشرون ﴾ أي وإليه وحده تجمعون للجزاء والحساب ﴿ وهو الذي يحيي ويميت ﴾ أي يحيي الرمم ويميت الخلائق والأمم ﴿ وله اختلاف الليل والنهار ﴾ أي إن اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقصان بفعله سبحانه وحده ليقيم الدليل على وجوده وقدرته ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أي أفليس لكم عقول تدركون بها دلائل قدرته، وآثار قهره، فتعلمون أن من قدر على ذلك ابتداء، قادر على إعادة الخلق بعد الفناء؟ ﴿ بل قالوا مثل ما قال الأولون ﴾ ﴿ بل ﴾ للإضراب أي ليس لهم عقل ولا نظر في هذه الآيات والعبر، بل قال هؤلاء المشركون - من كفار مكة - مثل ما قال الأمم المتقدمون ﴿ قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ﴾؟ أي أئذا بلينا وصرنا ذرات ناعمة، وعظاما نخرة أئنا لمخلوقون ثانية؟ هذا لا يتصور ولا يكون أبدا ﴿ لقد وعدنا نحن وآبآؤنا هذا من قبل ﴾ أي لقد وعدنا بهذا نحن ومن سبقنا فلم نر له حقيقة ﴿ إن هذآ إلا أساطير الأولين ﴾ أي ما هذا إلا أكاذيب وأباطيل المتقدمين ولما أنكروا البعث والنشور أمر تعالى رسوله أن يفحمهم بالحجة الدامغة التي تقصم ظهر الباطل فقال ﴿ قل لمن الأرض ومن فيهآ ﴾؟ أي قل يا محمد جوابا لهم عما قالوه: لمن الأرض ومن فيها من المخلوقات؟ ومن مالكها والمتصرف فيها بالإيجاد والإفناء؟ ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كان عندكم علم فأخبروني بذلك، وفيه استهانة بهم وتقرير لجهلهم قال القرطبي: يخبر تعالى في الآية بربوبيته ووحدانيته، وملكه الذي لا يزول، وقدرته التي لا تحول، ودلت هذه الآيات - وما بعدها - على جواز جدال الكفار وإقامة الحجة عليهم، ونبهت على أن من ابتدأ بالخلق والإيجاد، والإبداع، هو المستحق للألوهية والعبادة ﴿ سيقولون لله ﴾ أي فسيقولون الله خالقها وموجدها ولا بد لهم من الاعتراف بذلك ﴿ قل أفلا تذكرون ﴾؟ أي أفلا تعتبرون فتعلمون أن من ابتدأ ذلك قادر على إعادته؟ ﴿ قل من رب السموت السبع ورب العرش العظيم ﴾؟ أي من هو خالق السماوات الطباق بما فيها الشموس، والكواكب والأقمار، ومن هو خالق العرش الكبير الذي تحمله الملائكة الأطهار؟ ﴿ سيقولون لله ﴾ أي سيقولون: الله خالقه وهو لله ﴿ قل أفلا تتقون ﴾ أي أفلا تخافون من عذابه فتوحدونه وتتركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام ﴿ قل من بيده ملكوت كل شيء ﴾ الملكوت من صفات المبالغة أي من بيده الملك الواسع التام؟ ومن بيده خزائن كل شيء؟ ومن هو المتصرف في هذه الأكوان بالخلق والإيجاد والتدبير؟ ﴿ وهو يجير ولا يجار عليه ﴾ أي يحمي من استجار به والتجأ إليه، ولا يغيث أحد منه أحدا ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كنتم تعلمون فأخبروني عن ذلك ﴿ سيقولون لله ﴾ أي سيقولون: الملك كله والتدبير لله جل وعلا ﴿ قل فأنى تسحرون ﴾ أي قل لهم: فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده مع اعترافكم وعلمكم بأنه وحده المتصرف المالك؟ قال أبو حيان: والسحر هنا مستعار وهو تشبيه لما يقع منهم من التخليط، ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها بما يقع للمسحور من التخبط والتخليط رتب هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج فقال أولا ﴿ أفلا تذكرون ﴾؟ ثم قال ثانيا ﴿ أفلا تتقون ﴾؟ وذلك أبلغ لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثا ﴿ فأنى تسحرون ﴾ وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره ﴿ بل أتيناهم بالحق ﴾ أي بل جئناهم بالقول الصدق في أمر التوحيد والبعث والجزاء ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ أي كاذبون فيما ينسبون لله من الشركاء والأولاد.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٤٠