والغرض من الآية: بيان عظمته تعالى وانفراده بألوهيته وربوبيته بانقياد هذه العوالم العظمى له وجريها على وفق أمره وتدبيره ﴿ وكثير من الناس ﴾ أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة ﴿ وكثير حق عليه العذاب ﴾ أي وكثير من الناس وجب له العذاب بكفره واستعصائه ﴿ ومن يهن الله فما له من مكرم ﴾ أي من أهانه الله بالشقاء والكفر فلا يقدر أحد على دفع الهوان عنه ﴿ إن الله يفعل ما يشآء ﴾ أي يعذب ويرحم، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ولا اعتراض لأحد عليه.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- التشبيه البليغ المؤكد ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ أي كالسكارى من شدة الهول، حذفت أداة التشبيه والشبه.
2- الاستعارة ﴿ شيطان مريد ﴾ استعار لفظ الشيطان لكل طاغية متمرد على أمر الله
3- الطباق بين ﴿ يضله.. ويهديه ﴾.
4- أسلوب التهكم ﴿ ويهديه إلى عذاب السعير ﴾.
5- طباق السلب ﴿ مخلقة وغير مخلقة ﴾.
6- الاستعارة اللطيفة ﴿ فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت ﴾ شبه الأرض بنائم لا حركة له ثم يتحرك وينتعش وتدب فيه الحياة بنزول المطر عليه ففيها استعارة تبعية.
7- الكناية ﴿ ثاني عطفه ﴾ كناية عن التكبر والخيلاء.
8- المجاز المرسل ﴿ بما قدمت يداك ﴾ علاقته السببية لأن اليد هي التي تفعل الخير أو الشر.
9- الاستعارة التمثيلية ﴿ من يعبد الله على حرف ﴾ مثل للمنافقين وما هم فيه من قلق واضطراب في دينهم بمن يقف على شفا الهاوية يريد العبادة والصلاة، ويا له من تمثيل رائع!
10- المقابلة البديعة بين ﴿ فإن أصابه خير اطمأن به.. وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ﴾.
11- الطباق بين ﴿ يضره.. وينفعه ﴾ وبين ﴿ يهن.. فما له من مكرم ﴾.
12- السجع اللطيف بين كثير من الآيات.
فائدة: المرضع التي شأنها أن ترضع، والمرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها لطفلها ولهذا قال ﴿ تذهل كل مرضعة ﴾ ولم يقل: مرضع ليكون ذلك أعظم في الذهول إذ تنزع ثديها من فم الصبي - أحب الناس إليها - وذلك غاية في شدة الهول والفزع.
تنبيه: روى ابن أبي حاتم أنه قيل لعلي: " إن ههنا رجلا يتكلم في المشيئة فاستدعاه فقال له، يا عبد الله: خلقك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال بل كما شاء، قال فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت، قل: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء، قال والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي بين عينيك بالسيف ".