تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن نعمره ننكسه في الخلق

[يس: 68] ﴿ وترى الأرض هامدة ﴾ هذه هي الحجة الثانية على إمكان البعث أي وترى أيها المخاطب أو أيها المجادل الأرض يابسة ميتة لا نبات فيها ﴿ فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت ﴾ أي فإذا أنزلنا عليها المطر تحركت بالنبات وانتفخت وزادت وحييت بعد موتها ﴿ وأنبتت من كل زوج بهيج ﴾ أي وأخرجت من كل صنف عجيب ما يسر الناظر ببهائه ورونقه ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ أي ذلك المذكور من خلق الإنسان والنبات لتعلموا أن الله هو الخالق المدبر وأن ما في الكون من آثار قدرته وشاهد بأن الله هو الحق ﴿ وأنه يحيي الموتى ﴾ أي وبأنه القادر على إحياء الموتى كما أحيا الأرض الميتة بالنبات ﴿ وأنه على كل شيء قدير ﴾ أي وبأنه قادر على ما أراد ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها ﴾ أي وليعلموا أن الساعة كائنة لا شك فيها ولا مرية ﴿ وأن الله يبعث من في القبور ﴾ أي يحيي الأموات ويعيدهم بعدما صاروا رمما، ويبعثهم أحياء إلى موقف الحساب ﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴾ أي يجادل في شأنه تعالى من غير تمسك بعلم صحيح يهدي إلى المعرفة ولا كتاب نير بين الحجة بل بمجرد الرأي والهوى قال ابن عطية: كرر هذه على وجه التوبيخ فكأنه يقول: هذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان ومن الناس مع ذلك من يجادل في الله بغير دليل ولا برهان ﴿ ثاني عطفه ﴾ أي معرضا عن الحق لاويا عنقه كفرا قال ابن عباس: مستكبرا عن الحق إذا دعي إليه قال الزمخشري: وثني العطف عبارة عن الكبر والخيلاء فهو كتصعير الخد ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ أي ليصد الناس عن دين الله وشرعه ﴿ له في الدنيا خزي ﴾ أي له هوان وذل في الحياة الدنيا ﴿ ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ﴾ أي ونذيقه في الآخرة النار المحرقة ﴿ ذلك بما قدمت يداك ﴾ أي ذلك الخزي والعذاب بسبب ما اقترفته من الكفر والضلال ﴿ وأن الله ليس بظلام للعبيد ﴾ أي وأن الله عادل لا يظلم أحدا من خلقه ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي ومن الناس من يعبد الله على جانب وطرف من الدين، وهذا تمثيل للمذبذبين الذين لا يعبدون الله عن ثقة ويقين بل عن قلق واضطراب كالذي يكون على طرف من الجيش فإن أحس بظفر أو غنيمة استقر وإلا فر قال الحسن: هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه وقال ابن عباس: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما وأنتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء ﴿ فإن أصابه خير اطمأن به ﴾ أي فإن ناله خير في حياته من صحة ورخاء أقام على دينه ﴿ وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ﴾ أي وإن ناله شيء يفتتن به من مكروه وبلاء ارتد فرجع إلى ما كان عليه من الكفر ﴿ خسر الدنيا والأخرة ﴾ أي أضاع دنياه وآخرته فشقي الشقاوة الأبدية ﴿ ذلك هو الخسران المبين ﴾ أي ذلك هو الخسران الواضح الذي لا خسران مثله ﴿ يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ﴾ أي يعبد الصنم الذي لا ينفع ولا يضر ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي ذلك هو نهاية الضلال الذي لا ضلال بعده، شبه حالهم بحال من أبعد في التيه ضالا عن الطريق ﴿ يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ﴾ أي يعبد وثنا أو صنما ضره في الدنيا بالخزي والذل أسرع من نفعه الذي يتوقعه بعبادته وهو الشفاعة له يوم القيامة، وقيل: الآية على الفرض والتقدير: أي لو سلمنا نفعه أو ضره لكان ضره أكثر من نفعه، والآية سيقت تسفيها وتجهيلا لمن يعتقد أنه ينتفع بعبادة غير الله حين يستشفع بها ﴿ لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ أي بئس الناصر وبئس القريب والصاحب ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ لما ذكر حال المشركين وحال المنافقين المذبذبين ذكر حال المؤمنين في الآخرة والمعنى إن الله يدخل المؤمنين الصادقين جنات تجري من تحت قصورها وغرفها أنهار اللبن والخمر والعسل وهم في روضات الجنات يحبرون ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ أي يثيب من يشاء ويعذب من يشاء لا معقب لحكمه، فللمؤمنين الجنة بفضله، وللكافرين النار بعدله ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ﴾ أي من كان يظن أن لن ينصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ﴿ فليمدد بسبب إلى السمآء ثم ليقطع ﴾ أي فليمدد بحبل إلى السقف ثم ليقطع عنقه وليختنق به ﴿ فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ﴾ أي فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ؟ قال ابن كثير: وهذا القول قول ابن عباس وهو أظهر في المعنى وأبلغ في التهكم فإن المعنى: من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدا وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه فإن الله ناصره لا محالة ﴿ وكذلك أنزلناه آيات بينات ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال البديع المنطوي على الحكم البالغة أنزلنا القرآن الكريم كله آيات واضحات الدلالة على معانيها الرائقة ﴿ وأن الله يهدي من يريد ﴾ أي وأن الله هو الهادي لا هادي سواه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ أي صدقوا الله ورسوله وهم أتباع محمد عليه السلام ﴿ والذين هادوا ﴾ أي اليهود وهم المنتسبون إلى موسى عليه السلام ﴿ والصابئين ﴾ هم قوم يعبدون النجوم ﴿ والنصارى ﴾ هم المنتسبون إلى ملة عيسى عليه السلام ﴿ والمجوس ﴾ هم عبدة النيران ﴿ والذين أشركوا ﴾ هم العرب عبدة الأوثان ﴿ إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وبين الفرق الخمسة الضالة فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ أي شاهد على أعمال خلقه عالم بكل ما يعملون ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموت ومن في الأرض ﴾ أي يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها، الملائكة في أقطار السماوات، والإنس والجن وسائر المخلوقات في العالم الأرضي ﴿ والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب ﴾ أي وهذه الأجرام العظمى مع سائر الجبال والأشجار والحيوانات تسجد لعظمته سجود انقياد وخضوع، قال ابن كثير: وخص الشمس والقمر والنجوم بالذكر لأنها قد عبدت من دون الله، فبين أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٢٤