البلاغة: تضمنت الآيات من وجوه الفصاحة والبديع ما يلي:
1- الاستعارة اللطيفة ﴿ ثم نكسوا على رءوسهم ﴾ شبه رجوعهم عن الحق إلى الباطل بانقلاب الشخص حتى يصبح أسفله أعلاه بطريق الاستعارة.
2- الطباق بين ﴿ ينفعكم.. ويضركم ﴾.
3- المبالغة ﴿ كوني بردا ﴾ أطلق المصدر وأراد اسم الفاعل أي باردة أو ذات برد.
4- عطف الخاص على العام ﴿ فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة ﴾ لأن الصلاة والزكاة من فعل الخيرات وإنما خصهما بالذكر تنبيها لعلو شأنهما وفضلهما.
5- الاحتراس ﴿ وكلا آتينا حكما وعلما ﴾ دفعا لتوهم انتقاص مقام داود عليه السلام.
6- المجاز المرسل ﴿ وأدخلناه في رحمتنآ ﴾ أي في الجنة لأنها مكان تنزل الرحمة فالعلاقة المحلية.
7- السجع غير المتكلف ﴿ العابدين الصابرين ﴾ ، ﴿ الصالحين ﴾ الخ.
تنبيه: وصف تعالى الريح ههنا بقوله ﴿ عاصفة ﴾ ووصفها في مكان آخر بقوله
رخآء
[ص: 36] والعاصفة هي الشديدة، والرخاء هي اللينة، ولا تعارض بين الوصفين لأن الريح كانت لينة طيبة وكانت تسرع في جريها كالعاصف فجمعت الوصفين فتدبر.
21.83-112
المناسبة: لما ذكر تعالى جملة من الأنبياء " إبراهيم، نوح، لوط، داود، سليمان " وما نال كثيرا منهم من الابتلاء، ذكر هنا قصة أيوب وابتلاء الله له بأنواع المحن ثم أعقبها بذكر محنة يونس وزكريا وعيسى وكل ذلك بقصد التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ليتأسى بهم.
اللغة: ﴿ ذا النون ﴾ النون: الحوت وذا النون لقب ليونس بن متى لابتلاع النون له ﴿ أحصنت ﴾ الإحصان: العفة يقال: رجل محصن وامرأة محصنة أي عفيفة ﴿ رغبا ورهبا ﴾ الرغب: الرجاء، والرهب: الخوف ﴿ كفران ﴾ الكفر والكفران: الجحود وأصله الستر لأن الكافر يستر نعمة الله ويجحدها ﴿ حدب ﴾ الحدب: ما ارتفع من الأرض مأخوذ من حدبة الظهر قال عنترة:
فما رعشت يداي ولا ازدهاني
تواترهم إلي من الحداب
﴿ ينسلون ﴾ يسرعون يقال: نسل الذئب ينسل نسلانا أي أسرع ﴿ حصب ﴾ الحصب: ما توقد به النار كالحطب وغيره ﴿ زفير ﴾ أنين وتنفس شديد ﴿ حسيسها ﴾ الحسيس: الصوت والحس والحركة الذي يحس به من حركة الأجرام ﴿ السجل ﴾ الصحيفة لأن بها يسجل المطلوب.
سبب النزول: عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ شق ذلك على كفار قريش وقالوا: شتم آلهتنا وأتوا ابن الزبعري وأخبروه فقال: لو حضرته لرددت عليه قالوا: وما كنت تقول له؟ قال أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى، وهذا عزير تعبده اليهود؛ أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته ورأوا أن محمدا قد خصم فأنزل الله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾.
التفسير: ﴿ وأيوب إذ نادى ربه ﴾ أي واذكر قصة نبي الله أيوب حين دعا ربه بتضرع وخشوع ﴿ أني مسني الضر ﴾ أي نالني البلاء والكرب والشدة قال المفسرون: كان أيوب نبيا من الروم، وكان له أولاد ومال كثير، فأذهب الله ماله فصبر، ثم أهلك الأولاد فصبر، ثم سلط البلاء والمرض على جسمه فصبر فمر عليه ملأ من قومه فقالوا: ما أصابه هذا إلا بذنب عظيم فعند ذلك تضرع إلى الله فكشف عنه ضره ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ أي أكثرهم رحمة فارحني، ولم يصرح بالدعاء ولكنه وصف نفسه بالعجز والضعف، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه، فكان فيه من حسن التلطف ما ليس في التصريح بالطلب ﴿ فاستجبنا له ﴾ أي أجبنا دعاءه وتضرعه ﴿ فكشفنا ما به من ضر ﴾ أي أزلنا ما أصابه من ضر وبلاء ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ قال ابن مسعود: مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي أحيوا له وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات. والمعنى أعطيناه أهله في الدنيا ورزقناه من زوجته مثل ما كان له من الأولاد والأتباع ﴿ رحمة من عندنا ﴾ أي من أجل رحمتنا إياه ﴿ وذكرى للعابدين ﴾ أي وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر قال القرطبي: أي وتذكيرا للعباد لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب ومحنته وصبره وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا مثل ما فعل أيوب وهو أفضل أهل زمانه، يروى أن أيوب مكث في البلاء ثمان عشرة سنة فقالت له امرأته يوما: لو دعوت الله عز وجل فقال لها: كم لبثنا في الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة فقال: إني أستحيي من الله أن أدعوه وما مكثت في بلائي المدة التي مكثتها في رخائي ﴿ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ﴾ أي واذكر لقومك قصة إسماعيل بن إبراهيم وإدريس بن شيث وذا الكفل ﴿ كل من الصابرين ﴾ أي كل من هؤلاء الأنبياء من أهل الإحسان والصبر، جاهدوا في الله وصبروا على ما نالهم من الأذى ﴿ وأدخلناهم في رحمتنا ﴾ أي أدخلناهم بصبرهم وصلاحهم الجنة دار الرحمة والنعيم ﴿ إنهم من الصالحين ﴾ أي لأنهم من أهل الفضل والصلاح ﴿ وذا النون ﴾ أي واذكر لقومك قصة يونس الذي ابتلعه الحوت، والنون هو الحوت نسب إليه لأنه التقمه ﴿ إذ ذهب مغاضبا ﴾ أي حين خرج من بلده مغاضبا لقومه إذ كان يدعوهم إلى الإيمان فيكفرون حتى أصابه ضجر منهم فخرج عنهم ولذلك قال الله تعالى