تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تكن كصاحب الحوت

[القلم: 48] ولا يصح قول من قال: مغاضبا لربه قال أبو حيان: وقول من قال مغاضبا لربه يجب طرحه إذ لا يناسب منصب النبوة وقال الرازي: لا يجوز صرف المغاضبة إلى الله تعالى لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكا للأمر والنهي، والجاهل بالله لا يكون مؤمنا فضلا عن أن يكون نبيا، ومغاضبته لقومه كانت غضبا لله، وأنفة لدينه، وبغضا للكفر وأهله ﴿ فظن أن لن نقدر عليه ﴾ أي ظن يونس أن لن نضيق عليه بالعقوبة كقوله

ومن قدر عليه رزقه

[الطلاق: 7] أي ضيق عليه فيه فهو من القدر لا من القدرة قال الإمام الفخر: من ظن عجز الله فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين فكيف إلى الأنبياء عليهم السلام! روي أنه دخل ابن عباس على معاوية فقال له معاوية: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لي خلاصا إلا بك، فقال: وما هي؟ قال: يظن نبي الله يونس أن لن يقدر الله عليه؟ فقال ابن عباس: هذا من القدر لا من القدرة ﴿ فنادى في الظلمات ﴾ أي نادى ربه في ظلمة الليل وهو في بطن الحوت قال ابن عباس: جمعت الظلمات لأنها ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت ﴿ أن لا إله إلا أنت ﴾ أي نادى بأن لا إله إلا أنت يا رب ﴿ سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ أي تنزهت يا رب عن النقص والظلم، وقد كنت من الظالمين لنفسي وأنا الآن من التائبين النادمين فاكشف عني المحنة وفي الحديث

" ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له "

﴿ فاستجبنا له ونجيناه من الغم ﴾ أي استجبنا لتضرعه واستغاثته ونجيناه من الضيق والكرب الذي ناله حين التقمه الحوت ﴿ وكذلك ننجي المؤمنين ﴾ أي كما نجينا يونس من تلك المحنة ننجي المؤمنين من الشدائد والأهوال إذا استغاثوا بنا ﴿ وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا ﴾ أي واذكر يا محمد خبر رسولنا زكريا حين دعا ربه دعاء مخلص منيب قائلا: رب لا تتركني وحيدا بلا ولد ولا وارث قال ابن عباس: كان سنه مائة وسن زوجته تسعا وتسعين ﴿ وأنت خير الوارثين ﴾ أي وأنت يا رب خير من يبقى بعد كل من يموت قال الألوسي: وفيه مدح له تعالى بالبقاء، وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء، واستمطار لسحائب لطفه عز وجل ﴿ فاستجبنا له ﴾ أي أجبنا دعاءه ﴿ ووهبنا له يحيى ﴾ أي رزقناه ولدا اسمه يحيى على شيخوخته ﴿ وأصلحنا له زوجه ﴾ أي جعلناها ولودا بعد أن كانت عاقرا وقال ابن عباس: كانت سيئة الخلق طويلة اللسان فأصلحها الله تعالى فجعلها حسنة الخلق ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ﴾ أي إنما استجبنا دعاء من ذكر من الأنبياء لأنهم كانوا صالحين يجدون في طاعة الله ويتسابقون في فعل الطاعات وعمل الصالحات ﴿ ويدعوننا رغبا ورهبا ﴾ أي طمعا ورجاء في رحمتنا وخوفا وفزعا من عذابنا ﴿ وكانوا لنا خاشعين ﴾ أي كانوا متذللين خاضعين لله يخافونه في السر والعلن ﴿ والتي أحصنت فرجها ﴾ أي واذكر مريم البتول التي أعفت نفسها عن الفاحشة وعن الحلال والحرام كقوله

ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا

[مريم: 20] قال ابن كثير: ذكر تعالى قصة مريم وابنها عيسى مقرونة بقصة زكريا وابنه يحيى لأن تلك مربوطة بهذه فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد طعن في السن وامرأة عجوز لم تكن تلد في حال شبابها، وهذه أعجب فإنها إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر ولذلك ذكر قصة مريم بعدها ﴿ فنفخنا فيها من روحنا ﴾ أي أمرنا جبريل فنفخ في فتحة درعها - قميصها - فدخلت النفخة إلى جوفها فحملت بعيسى، وأضاف الروح إليه تعالى على جهة التشريف ﴿ وجعلناها وابنهآ آية للعالمين ﴾ أي وجعلنا مريم مع ولدها عيسى علامة وأعجوبة للخلق تدل على قدرتنا الباهرة ليعتبر بها الناس ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ أي دينكم وملتكم التي يجب ان تكونوا عليها أيها الناس ملة واحدة غير مختلفة وهي ملة الإسلام، والأنبياء كلهم جاءوا برسالة التوحيد قال ابن عباس: معناه دينكم دين واحد ﴿ وأنا ربكم فاعبدون ﴾ أي وأنا إلهكم لا رب سواي فأفردوني بالعبادة ﴿ وتقطعوا أمرهم بينهم ﴾ أي اختلفوا في الدين وأصبحوا فيه شيعا وأحزابا فمن موحد، ومن يهودي، ونصراني ومجوسي ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ أي رجوعهم إلينا وحسابهم علينا قال الرازي: معنى الآية جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما تتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه تمثيلا لاختلافهم في الدين وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى ﴿ فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ﴾ أي من يعمل شيئا من الطاعات وأعمال البر والخير بشرط الإيمان ﴿ فلا كفران لسعيه ﴾ أي لا بطلان لثواب عمله ولا يضيع شيء من جزائه ﴿ وإنا له كاتبون ﴾ أي نكتب عمله في صحيفته والمراد أمر الملائكة بكتابة أعمال الخلق ﴿ وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون ﴾ قال ابن عباس: أي ممتنع على أهل قرية أهلكناهم أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا مرة ثانية وفي رواية عنه ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ أي لا يتوبون قال ابن كثير: والأول أظهر وقال في البحر: المعنى وممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم رجوعهم في الدنيا إلى الإيمان إلى أن تقوم الساعة فحينئذ يرجعون ﴿ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ﴾ أي حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج ﴿ وهم من كل حدب ينسلون ﴾ أي وهم لكثرتهم من كل مرتفع من الأرض ومن كل أكمة وناحية يسرعون النزول والمراد أن يأجوج ومأجوج لكثرتهم يخرجون من كل طريق للفساد في الأرض ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ أي اقترب وقت القيامة قال المفسرون: جعل الله خروج يأجوج ومأجوج علما على قرب الساعة قال ابن مسعود: الساعة من الناس بعد يأجوج ومأجوج كالحامل المتمم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلا أو نهارا ﴿ فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ﴾ الضمير للقصة والشأن أي فإذا شأن الكافرين أن أبصارهم شاخصة من هول ذلك اليوم لا تكاد تطرف من الحيرة وشدة الفزع ﴿ يويلنا قد كنا في الدنيا في غفلة من هذا ﴾ أي ويقولون يا ويلنا أي يا حسرتنا وهلاكنا قد كنا في غفلة تامة عن هذا المصير المشئوم واليوم الرهيب ﴿ بل كنا ظالمين ﴾ أضربوا عن القول السابق وأخبروا بالحقيقة المؤلمة والمعنى لم نكن في غفلة حيث ذكرتنا الرسل ونبهتنا الآيات بل كنا ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الإيمان ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ أي إنكم أيها المشركون وما تعبدونه من الأوثان والأصنام ﴿ حصب جهنم ﴾ أي حطب جهنم ووقودها قال أبو حيان: الحصب ما يحصب به أي يرمى به في نار جهنم، وقبل أن يرمى به لا يطلق عليه حصب إلا مجازا ﴿ أنتم لها واردون ﴾ أي أنتم داخلوها مع الأصنام، وإنما جمع الله الكفار مع معبوداتهم في النار لزيادة غمهم وحسرتهم برؤيتهم الآلهة التي عبدوها معهم في عذاب الجحيم ﴿ لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ﴾ أي لو كانت هذه الأصنام التي عبدتموها آلهة ما دخلوا جهنم ﴿ وكل فيها خالدون ﴾ أي العابدون والمعبدون كلهم في جهنم مخلدون ﴿ لهم فيها زفير ﴾ أي لهؤلاء الكفرة في النار زفير وهو صوت النفس الذي يخرج من قلب المغموم وهو يشبه أنين المحزون والمكلوم ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ أي لا يسمعون في جهنم شيئا لأنهم يحشرون صما كما قال تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٢١