البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- الكناية اللطيفة ﴿ وجعلنا لهم لسان صدق عليا ﴾ كنى عن الذكر الحسن والثناء الجميل باللسان لأن الثناء يكون باللسان فلذلك قال ﴿ لسان صدق ﴾ كما يكنى عن العطاء باليد.
2- الاستعارة ﴿ ورفعناه مكانا عليا ﴾ شبه المكانة العظيمة والمنزلة السامية بالمكان العالي بطريق الاستعارة.
3- المبالغة ﴿ صديقا نبيا ﴾ أي مبالغا في الصدق.
4- الإشارة بالبعيد لعلو الرتبة ﴿ أولئك الذين أنعم ﴾ فما فيه من معنى البعد للإشادة بعلو رتبهم وبعد منزلتهم في الفضل.
5- الجناس الناقص ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ لتغير الحركات والشكل.
6- الطباق ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ وبين ﴿ بكرة.. وعشيا ﴾.
7- السجع الحسن الرصين ﴿ عليا، حفيا، نبيا ﴾.
فائدة: في قول إبراهيم عليه السلام " يا أبت " تلطف واستدعاء، والتاء عوض عن ياء الإضافة لأن أصله " يا أبي " ولهذا لا يجمع بينهما.
تنبيه: ذكر السيوطي في التحبير أن إبراهيم عليه السلام عاش من العمر مائة وخمسا وسبعين سنة، وبينه وبين آدم ألفا سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة، ومنه تفرعت شجرة الأنبياء.
19.66-98
المناسبة: لما ذكر تعالى طائفة من قصص الأنبياء للعظة والاعتبار، وكان الغرض الأساسي للسورة الكريمة إثبات قدرة الله على الإحياء والإفناء، وإثبات يوم المعاد، ذكر تعالى هنا بعض شبهات المكذبين للبعث والنشور ورد عليها بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، وختم السورة الكريمة ببيان مآل السعداء والأشقياء.
اللغة: ﴿ جثيا ﴾ جمع جاث يقال: جثا إذا قعد على ركبتيه من شدة الهول وهي قعدة الخائف الذليل قال الكميت:
همو تركوا سراتهم جثيا
وهم دون السراة مقرنينا
﴿ عتيا ﴾ عصيانا وتمردا عن الحق ﴿ نديا ﴾ الندي والنادي: الذي يجتمع فيه القوم للتحدث والمشورة قال الجوهري: الندي مجلس القوم ومتحدثهم وكذلك الندوة والنادي فإن تفرقوا فليس بندي ﴿ أثاثا ﴾ الأثاث: متاع البيت ﴿ رءيا ﴾ منظرا حسنا ﴿ تؤزهم ﴾ الأز: التهييج والإغراء، قال أهل اللغة: الأز والهز والاستفزاز متقاربة ومعناها التهييج وشدة الإزعاج ومنه أزيز المرجل وهو غليانه وحركته ﴿ وفدا ﴾ جمع وافد وهو الذي يقدم على سبيل التكرمة معززا مكرما ﴿ وردا ﴾ مشاة عطاشا قال الرازي: والورد اسم للعطاش لأن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش ﴿ إدا ﴾ منكرا عظيما قال الجوهري: الإد: الداهية والأمر الفظيع ﴿ ركزا ﴾ الركز: الصوت الخفي.
سبب النزول: عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا - أي حدادا - وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث - أي تموت الآن وتبعث أمامي وهذا من باب المستحيل - قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال فأعطيتك فأنزل الله ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ﴾.
التفسير: ﴿ ويقول الإنسان أءذا ما مت لسوف أخرج حيا ﴾ أي يقول الكافر الذي لا يصدق بالبعث بعد الموت على وجه الإنكار والاستبعاد: أئذا مت وأصبحت ترابا ورفاتا فسوف أخرج من القبر حيا؟ قال ابن كثير: يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته، واللام " لسوف " للمبالغة في الإنكار، وهو إنكار منشؤه غفلة الإنسان عن نشأته الأولى، أين كان؟ وكيف كان؟ ولو تذكر لعلم أن الأمر أيسر مما يتصور ﴿ أولا يذكر الإنسن أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ﴾ أي أولا يتذكر هذا المكذب الجاحد أول خلقه فيستدل بالبداءة على الإعادة؟ ويعلم أن الله الذي خلقه من العدم قادر على أن يعيده بعد الفناء وتشتت الأجزاء؟ قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها، إذ لا شك أن الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد أولا، ونظيره قوله