تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة

[يس: 79] ﴿ فوربك لنحشرنهم والشياطين ﴾ أي فوربك يا محمد لنحشرن هؤلاء المكذبين بالبعث مع الشياطين الذين أغووهم قال المفسرون: يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة ﴿ ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ﴾ أي نحضر هؤلاء المجرمين حول جهنم قعودا على الركب من شدة الهول والفزع، لا يطيقون القيام على أرجلهم لما يدهمهم من شدة الأمر ﴿ ثم لننزعن من كل شيعة ﴾ أي لنأخذن ولننتزعن من كل فرقة وجماعة ارتبطت بمذهب ﴿ أيهم أشد على الرحمن عتيا ﴾ أي من منهم أعصى لله وأشد تمردا، والمراد أنه يؤخذ من هؤلاء المجرمين ليقذف في جهنم الأعتى فالأعتى قال ابن مسعود: يبدأ بالأكابر جرما ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ﴾ أي نحن أعلم بمن هم أحق بدخول النار والاصطلاء بحرها وبمن يستحق تضعيف العذاب فنبدأ بهم ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ أي ما منكم أحد من بر أو فاجر ألا وسيرد على النار، المؤمن للعبور والكافر للقرار ﴿ كان على ربك حتما مقضيا ﴾ أي كان ذلك الورود قضاء لازما لا يمكن خلفه ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ أي ننجي من جهنم المتقين بعد مرور الجميع عليها ﴿ ونذر الظالمين فيها جثيا ﴾ أي ونترك الظالمين في جهنم قعودا على الركب قال البيضاوي: والآية دليل على أن المراد بالورود والجثو حواليها، وأن المؤمنين يفارقون الفجرة إلى الجنة بعد نجاتهم، ويبقى الفجرة فيها على هيئاتهم ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت ﴾ أي وإذا قرئت على المشركين آيات القرآن المبين، واضحات الإعجاز، بينات المعاني ﴿ قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ﴾ أي قال الكفرة المترفون لفقراء المؤمنين أي الفريقين: - نحن أو أنتم - أحسن مسكنا، وأطيب عيشا، وأكرم منتدى ومجلسا؟ قال البيضاوي: إن المشركين لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، والاستدلال بزيادة حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم لقصور نظرهم، فرد الله عليهم بقوله ﴿ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا ﴾ أي وكثير من الأمم المكذبين بآياتنا أهلكناهم بكفرهم كانوا أكثر من هؤلاء متاعا، وأجمل صورة ومنظرا، فكما أهلكنا السابقين نهلك اللاحقين، فلا يغتر هؤلاء بما لديهم من النعيم والمتاع ﴿ قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أنهم على حق: من كان في الضلالة منا ومنكم فليمهله الرحمن فيما هو فيه، وليدعه في طغيانه، حتى يلقى ربه وينقضي أجله قال القرطبي: وهذا غاية في التهديد والوعيد ﴿ حتى إذا رأوا ما يوعدون ﴾ أي حتى يروا ما يحل بهم من وعد الله ﴿ إما العذاب وإما الساعة ﴾ أي إما عذاب الدنيا بالقتل والأسر، أو عذاب الآخرة بما ينالهم يوم القيامة من الشدائد والأهوال ﴿ فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ﴾ أي فسيعلمون عندئذ حين تنكشف الحقائق أي الفريقين شر منزلة عند الله، وأقل فئة وأنصارا، هل هم الكفار أم المؤمنون؟ وهذا في مقابلة قولهم ﴿ خير مقاما وأحسن نديا ﴾ ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ أي ويزيد الله المؤمنين المهتدين، بصيرة وإيمانا وهداية ﴿ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ﴾ أي والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها ذخرا في الآخرة خير عند الله من كل ما يتباهى به أهل الأرض من حيث الأجر والثواب ﴿ وخير مردا ﴾ أي وخير رجوعا وعاقبة، فإن نعيم الدنيا زائل ونعيم الآخرة باق دائم ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ﴾ نزلت في العاص بن وائل، والاستفهام للتعجب أي تعجب يا محمد من قصة هذا الكافر الذي جحد بآيات الله وزعم أن الله سيعطيه في الآخرة المال والبنين ﴿ أطلع الغيب ﴾ أي هل اطلع على الغيب الذي تفرد به علام الغيوب؟ ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهدا ﴾ أي أم أعطاه الله عهدا بذلك فهو يتكلم عن ثقة ويقين؟ ﴿ كلا سنكتب ما يقول ﴾ رد عليه، ولفظة " كلا " للردع والزجر أي ليرتدع ذلك الفاجر عن تلك المقالة الشنيعة فسنكتب ما يقول عليه ﴿ ونمد له من العذاب مدا ﴾ أي سنزيد له في العذاب ونطيله عليه جزاء طغيانه واستهزائه، ونضاعف له مدد العذاب مكان الإمداد بالمال والولد ﴿ ونرثه ما يقول ويأتينا فردا ﴾ أي ونرثه ما يخلفه من المال والولد بعد إهلاكه، ويأتينا وحيدا لا مال معه ولا ولد، ولا نصير له ولا سند ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ﴾ أي واتخذ المشركون أصناما عبدوها من دون الله لينالوا بها العز والشرف ﴿ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ﴾ أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا فإن الآلهة التي عبدوها ستبرأ من عبادتهم ويكونون لهم أعداء يوم القيامة ﴿ ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ﴾ أي ألم تر يا محمد أنا سلطنا الشياطين على الكافرين تغريهم إغراء بالشر، وتهيجهم تهييجا حتى يركبوا المعاصي قال الرازي: أي تغريهم على المعاصي وتحثهم وتهيجهم لها بالوساوس والتسويلات ﴿ فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا ﴾ أي لا تتعجل يا محمد في طلب هلاكهم فإنه لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس نعدها عليهم عدا ثم يصيرون إلى عذاب شديد قال ابن عباس: نعد أنفاسهم في الدنيا كما نعد عليهم سنيهم ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ﴾ أي يوم نحشر المتقين إلى ربهم معززين مكرمين، راكبين على النوق كما يفد الوفود على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ﴾ أي ونسوق المجرمين كما تساق البهائم مشاة عطاشا كأنهم إبل عطاش تساق إلى الماء وفي الحديث

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٩٨