تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ذكر تعالى أن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة، وها هو ذا موسى قد أوتي تسع آيات بينات ثم كذب بها فرعون وملؤه فحل بهم الهلاك جميعا ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ أي والله لقد أعطينا موسى تسع آيات واضحات الدلالة على نبوته وصحة ما جاء به من عند الله وهي " العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وانفلاق البحر، والسنين " خمس منها في سورة الأعراف

فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات

[الآية: 133] والباقي متفرقات ﴿ فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم ﴾ أي فاسأل يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى وفرعون فإنهم يعلمونها مما لديهم في التوراة قال الرازي: وليس المطلوب من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود وعلمائهم صدق ما ذكره الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد ﴿ فقال له فرعون إني لأظنك يموسى مسحورا ﴾ أي إني لأظنك يا موسى قد سحرت فتخبط عقلك ﴿ قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب السموت والأرض بصآئر ﴾ أي قال له موسى توبيخا وتبكيتا: لقد تيقنت يا فرعون أن هذه الآيات التسع ما أنزلها إلا رب السماوات والأرض شاهدة على صدقي، تبصر الناس بقدرة الله وعظمته ولكنك مكابر معاند ﴿ وإني لأظنك يفرعون مثبورا ﴾ أي وإني لأعتقدك يا فرعون هالكا خاسرا ﴿ فأراد أن يستفزهم من الأرض ﴾ أي أراد فرعون أن يخرج موسى وقومه من أرض مصر ﴿ فأغرقناه ومن معه جميعا ﴾ أي فأغرقنا فرعون وجنده أجمعين في البحر ﴿ وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ﴾ أي وقلنا لبني إسرائيل من بعد إغراق فرعون وجنده اسكنوا أرض مصر ﴿ فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ﴾ أي فإذا جاء يوم القيامة جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر مختلطين فيكم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، ثم نفصل بينكم ونميز السعداء من الأشقياء، ثم عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة قدره فقال ﴿ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ﴾ أي وأنزلنا هذا القرآن متلبسا بالحق، لا يعتريه شك أو ريب، فيه الحكم والمواعظ والأمثال التي اشتمل عليها القرآن وهكذا أنزل من عند الله ﴿ ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ﴾ أي وما أرسلناك يا محمد إلا مبشرا بالجنة لمن أطاع، ومنذرا بالنار لمن عصى ﴿ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ﴾ أي وقرآنا نزلناه مفرقا منجما لتقرأه على الناس على تؤدة ومهل، ليكون حفظه أسهل، والوقوف على دقائقه أيسر ﴿ ونزلناه تنزيلا ﴾ أي نزلناه شيئا بعد شيء على حسب الأحوال والمصالح ﴿ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا ﴾ خطاب للمشركين الذين اقترحوا المعجزات على وجه التهديد والوعيد أي آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم به لا يزيده كمالا، وتكذيبكم له لا يورثه نقصا ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ﴾ أي العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة من صالحي أهل الكتاب إذا سمعوا القرآن تأثروا فخروا ساجدين لله رب العالمين، والجملة تعليل لما تقدم والمعنى: إن لم تؤمنوا به أنتم فقد آمن به من هو خير منكم وأعلم ﴿ ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا ﴾ أي يقولون تنزه الله عن إخلاف وعده إنه كان وعده كائنا لا محالة ﴿ ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ﴾ أي ويخرون لناحية الأذقان ساجدين على وجوههم باكين عند استماع القرآن ويزيدهم تواضعا لله قال الرازي: والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين وهو خرورهم للسجود وفي حال كونهم باكين عند استماع القرآن ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ﴾ أي نادوا ربكم الجليل باسم ﴿ الله ﴾ أو باسم ﴿ الرحمن ﴾ ﴿ أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى ﴾ أي بأي هذين الإسمين ناديتموه فهو حسن لأن أسماءه جميعها حسنى وهذان منها قال المفسرون: سببها أن الكفار سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو (يا الله، يا رحمن) فقالوا إن كان محمد ليأمرنا بدعاء إله واحد وها هو يدعو إلهين فنزلت الآية مبينة أنهما لمسمى واحد ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ أي لا تجهر يا محمد بقراءتك في الصلاة فيسمعك المشركون فيسبوا القرآن ومن أنزله ولا تسر بقراءتك بحيث لا تسمع من خلفك ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلا ﴾ أي اقصد طريقا وسطا بين الجهر والمخافتة قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله فنزلت ﴿ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ﴾ أي الحمد لله الذي تنزه عن الولد ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ أي ليس له شريك في ألوهيته ﴿ ولم يكن له ولي من الذل ﴾ أي ليس بذليل فيحتاج إلى الولي والنصير ﴿ وكبره تكبيرا ﴾ أي عظم ربك عظمة تامة واذكره بصفات العز والجلال، والعظمة والكمال، ختمت السورة كما بدأت بحمد الله وتقرير وحدانيته بلا ولد ولا شريك، وتنزيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير، وهو العلي الكبير.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٧٩