تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. وينتقل السياق إلى مشاهد القيامة وما فيها من الأهوال حين تتزلزل القلوب والأقدام ﴿ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ﴾ أي لا تظنن يا محمد أن الله ساه عن أفعال الظلمة، فإن سنة الله إمهال العصاة ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال ميمون بن مهران: هذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ أي إنما يؤخرهم ليوم رهيب عصيب، تشخص فيه الأبصار من الفزع والهلع، فتظل مفتوحة مبهوتة لا تطرف ولا تتحرك قال أبو السعود: تبقى أبصارهم مفتوحة لا تتحرك أجفانهم من هول ما يرونه ﴿ مهطعين مقنعي رءوسهم ﴾ أي مسرعين لا يلتفتون إلى شيء رافعين رءوسهم مع إدامة النظر قال الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ أي لا يطرفون بعيونهم من الخوف والجزع ﴿ وأفئدتهم هوآء ﴾ أي قلوبهم خالية من العقل لشدة الفزع ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ أي خوف يا محمد الكفار من هول يوم القيامة حين يأتيهم العذاب الشديد ﴿ فيقول الذين ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب ﴾ أي فيتوجه الظالمون يومئذ إلى الله بالرجاء يقولون يا ربنا أمهلنا إلى زمن قريب لنستدرك ما فات ﴿ نجب دعوتك ونتبع الرسل ﴾ أي نجب دعوتك لنا إلى الإيمان ونتبع رسلك فيما جاءونا به ﴿ أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ﴾ أي يقال لهم توبيخا وتبكيتا: ألم تحلفوا أنكم باقون في الدنيا لا تنتقلون إلى دار أخرى؟ والمراد إنكارهم للبعث والنشور ﴿ وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ أي سكنتم في ديار الظالمين بعد أن أهلكناهم، فهلا اعتبرتم بمساكنهم؟ ﴿ وتبين لكم كيف فعلنا بهم ﴾ أي تبين لكم بالإخبار والمشاهدة كيف أهلكناهم، وانتقمنا منهم ﴿ وضربنا لكم الأمثال ﴾ أي بينا لكم الأمثال في الدنيا فلم تعتبروا ﴿ وقد مكروا مكرهم ﴾ أي مكر المشركون بالرسول وبالمؤمنين حين أرادوا قتله ﴿ وعند الله مكرهم ﴾ أي وعند الله جزاء هذا المكر فإنه محيط بهم وبمكرهم ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ أي وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إلى زوال الجبال ولكن الله عصم ووقى منه ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ﴾ أي لا تظنن أيها المخاطب أن الله يخلف رسله ما وعدهم به من النصر وأخذ الظالمين المكذبين ﴿ إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ أي إنه تعالى غالب لا يعجزه شيء منتقم ممن عصاه ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت ﴾ أي ينتقم من أعدائه يوم الجزاء، يوم تتبدل هذه الأرض أرضا أخرى، وتتبدل السماوات سماوات أخرى قال ابن مسعود: تبدل الأرض بأرض كالفضة نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة ﴿ وبرزوا لله الواحد القهار ﴾ أي خرجت الخلائق جميعها من قبورهم، ومثلوا أمام أحكم الحاكمين، لا يسترهم ساتر، ولا يقيهم واق، ليسوا في دورهم ولا في قبورهم، وإنما هم في أرض المحشر أمام الواحد القهار ﴿ وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد ﴾ أي وفي ذلك اليوم الرهيب تبصر المجرمين مشدودين مع شياطينهم بالقيود والأغلال قال الطبري: أي مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد وهي الأغلال والسلاسل ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران وهي مادة يسرع فيها اشتعال النار، تطلى بها الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدته، وهو أسود اللون منتن الريح ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ أي تعلوها وتحيط بها النار، جزاء المكر والاستكبار ﴿ ليجزي الله كل نفس ما كسبت ﴾ أي برزوا يوم القيامة لأحكم الحاكمين ليجازيهم الله على أعمالهم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ أي لا يشغله شأن عن شأن، يحاسب جميع الخلق في أعجل ما يكون من الزمان، في مقدار نصف نهار من أيام الدنيا كما ورد به الأثر ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ أي هذا القرآن بلاغ لجميع الخلق من إنس وجان، أنزل لتبليغهم بما فيه من فنون العبر والعظات ﴿ ولينذروا به ﴾ أي لكي ينصحوا به ويخوفوا من عقاب الله ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ أي ولكي يتحققوا بما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة، على أنه تعالى واحد أحد، فرد صمد ﴿ وليذكر أولوا الألباب ﴾ أي وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول السليمة، وهم السعداء أهل النهى والصلاح.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٤٨