13.17-34
المناسبة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة أن في الأرض دعوتين: دعوة الحق، ودعوة الباطل، وذكر أن دعوة الله هي دعوة الحق، ودعوة ما يعبدون من دونه هي دعوة الباطل... ذكر تعالى هنا مثلين ضربهما للحق وأهله، والباطل وحزبه، ليتضح الفرق بين الهدى والضلال، والرشد والغي، ثم أعقبه بذكر مآل المؤمنين في دار النعيم، والكافرين في دار الجحيم.
اللغة: ﴿ زبدا ﴾ الزبد: الغثاء الذي يحمله السيل ﴿ رابيا ﴾ عاليا منتفخا ﴿ جفآء ﴾ مضمحلا متلاشيا لا منفعة فيه ولا بقاء له يقال: جفا الماء بالزبد إذا قذفه ورمى به ﴿ المهاد ﴾ الفراش وأصله المكان الممهد الموطأ للنوم والراحة ﴿ ويدرءون ﴾ يدفعون والدرء: الدفع ﴿ عقبى ﴾ العاقبة ويسمى الجزاء على الفعل عقبى لأنه يكون عقب الفعل ﴿ عدن ﴾ استقرار وثبات وخلود يقال: عدن بالمكان إذا أقام به ﴿ يبسط ﴾ يوسع ﴿ يقدر ﴾ يضيق ﴿ متاع ﴾ كل شيء يتمتع به إلى أجل ثم ينتهي ويفنى ﴿ طوبى ﴾ فرح وقرة عين قال الزمخشري: مصدر من طاب كبشرى وزلفى ومعناه أصبت خيرا وطيبا ﴿ ييأس ﴾ اليأس: القنوط من الشيء ﴿ أمليت ﴾ أمهلت يقال: أملى الله له إذا أمهله وطول له المدة ﴿ واق ﴾ اسم فاعل من وقى إذا دفع الأذى والضر عنه.
سبب النزول: قال ابن عباس: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ فأنزل الله ﴿ وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ﴾.
التفسير: ﴿ أنزل من السمآء مآء ﴾ أي أنزل تعالى من السماء مطرا ﴿ فسالت أودية بقدرها ﴾ أي فجرت مياه الأودية بمقدار سعتها كل بحسبه، فالكبير بمقدار كبره، والصغير بمقدار صغره ﴿ فاحتمل السيل زبدا رابيا ﴾ أي حمل السيل الذي حدث من الأمطار زبدا عاليا فوقه وهو ما يحمله السيل من غثاء، ورغوة تظهر على وجه الماء قال الطبري: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل، والإيمان والكفر، فمثل الحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله، مثل الماء الذي أنزله الله من السماء إلى الأرض، فاحتمل السيل زبدا عاليا، فالحق هو الماء الباقي الذي يمكث في الأرض، والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل، وهذا أحد مثلي الحق والباطل، والمثل الآخر قوله تعالى ﴿ ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ﴾ أي ومن الذي يوقد عليه الناس من المعادن كالذهب والفضة والنحاس، مما يسبك في النار طلب الزينة أو الأشياء التي ينتفع بها كالأواني زبد مثل زبد السيل، لا ينتفع به كما لا ينتفع بزبد السيل ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي كذلك يضرب الله المثل للحق والمثل للباطل، فمثل الحق في ثباته واستقراره كمثل الماء الصافي الذي يستقر في الأرض فينتفع منه الناس، ومثل الباطل في زواله واضمحلاله كمثل الزبد والغثاء الذي يقذف به الماء يتلاشى ويضمحل ﴿ فأما الزبد فيذهب جفآء ﴾ أي فأما الزبد الذي لا خير فيه مما يطفو على وجه الماء والمعادن فإنه يرمي به السيل ويقذفه ويتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ أي وأما ما ينتفع الناس به من الماء الصافي، والمعدن الخالص فيبقى ويثبت في الأرض ﴿ كذلك يضرب الله الأمثال ﴾ أي مثل المثلين السابقين يبين الله الأمثال للحق والباطل، والهدى والضلال ليعتبر الناس ويتعظوا ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ أي للمؤمنين الذين استجابوا لله بالإيمان والطاعة المثوبة الحسنى وهي الجنة دار النعيم ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ أي لم يجيبوا ربهم إلى الإيمان به وهم الكافرون ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعا ﴾ أي لو كان لهم جميع ما في الدنيا من الأموال ﴿ ومثله معه ﴾ أي ومثل جميع ما في الدنيا ﴿ لافتدوا به ﴾ أي لبذلوا كل ذلك فداء لأنفسهم ليتخلصوا من عذاب الله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ أي لهم الحساب السيء قال الحسن: يحاسبون بذنوبهم كلها لا يغفر لهم منها شيء ﴿ ومأواهم جهنم ﴾ أي المكان الذي يأوون إليه يوم القيامة نار جهنم ﴿ وبئس المهاد ﴾ أي بئس هذا المستقر والفراش الممهد لهم في النار ﴿ أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري أي هل يستوي من آمن وصدق بما نزل عليك يا محمد ومن بقي يتخبط في ظلمات الجهل والضلال لا لب له كالأعمى؟ والمراد به عمى البصيرة قال ابن عباس نزلت في حمزة وأبي جهل ﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴾ أي إنما يتعظ بآيات الله ويعتبر بها ذوو العقول السليمة، ثم عدد تعالى صفاتهم فقال ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ أي يتمون عهد الله الذي وصاهم به وهي أوامره ونواهيه التي كلف بها عباده ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ أي لا يخالفون ما وثقوه على أنفسهم من العهود المؤكدة بينهم وبين الله، وبين العباد ﴿ والذين يصلون مآ أمر الله به أن يوصل ﴾ أي يصلون الأرحام التي أمر الله بصلتها ﴿ ويخشون ربهم ﴾ أي يهابون ربهم إجلالا وتعظيما ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ أي يخافون الحساب السيء المؤدي لدخول النار، فهم لرهبتهم جادون في طاعة الله، محافظون على حدوده ﴿ والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ﴾ أي صبروا على المكاره طلبا لمرضاة الله ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ أي أدوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ﴾ أي أنفقوا بعض أموالهم التي أوجبها الله عليهم في الخفاء والعلانية ﴿ ويدرءون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون الجهل بالحلم والأذى بالصبر وقال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال بمعنى يفعلون الحسنات ليدرءوا بها السيئات وفي الحديث