تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن من شيء إلا يسبح بحمده

[الإسراء: 44] ﴿ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء ﴾ أي يرسل الصواعق المدمرة نقمة يهلك بها من شاء ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ أي وكفار مكة يجادلون في وجود الله ووحدانيته وفي قدرته على البعث ﴿ وهو شديد المحال ﴾ أي وهو تعالى شديد القوة والبطش والنكال، القادر على الانتقام ممن عصاه ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي لله تعالى تتجه الدعوة الحق فهو الحقيق بأن يعبد وحده بالدعاء والالتجاء ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي والآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون الله ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ أي لا يستجيبون لهم دعاء، ولا يسمعون لهم نداء ﴿ إلا كباسط كفيه إلى المآء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ﴾ أي إلا كمن يبسط كفيه للماء من بعيد يدعوه ويناديه ليصل الماء إلى فمه، والماء جماد لا يحس ولا يسمع قال أبو السعود: شبه حال المشركين في عدم حصولهم عند دعاء آلهتهم على شيء أصلا بحال عطشان هائم لا يدري ما يفعل، قد بسط كفيه من بعيد إلى الماء يبغي وصوله إلى فمه وليس الماء ببالغ فمه أبدا لكونه جمادا لا يشعر بعطشه ﴿ وما دعآء الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي ما دعاؤهم والتجاؤهم لآلتهم إلا في ضياع وخسار لأنه لا يجدي ولا يفيد ﴿ ولله يسجد من في السماوات والأرض ﴾ أي ولله وحده يخضع وينقاد أهل السماوات وأهل الأرض ﴿ طوعا وكرها ﴾ أي طائعين وكارهين قال الحسن: المؤمن يسجد طوعا، والكافر يسجد كرها أي في حالة الفزع والاضطرار ﴿ وظلالهم بالغدو والآصال ﴾ أي وتسجد ظلالهم أيضا لله في أول النار وأواخره، والغرض الإخبار عن عظمة الله تعالى وسلطانه الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، بأنه ينقاد لجلاله جميع الكائنات حتى ظلال الآدميين، والكل في نهاية الخضوع والاستسلام لأمره تعالى ﴿ قل من رب السموت والأرض ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من خالق السماوات والأرض ومدبر أمرهما؟ والسؤال للتهكم والسخرية بما عبدوا من دون الله ﴿ قل الله ﴾ أي قل لهم تقريعا وتبكيتا: الله خالقهما ﴿ قل أفاتخذتم من دونه أوليآء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ﴾ أي قل لهم - إلزاما لإقامة الحجة عليهم - أجعلتم لله شركاء وعبدتموهم من دونه وهم لا يقدرون على نفع أنفسهم، ولا على دفع الضر عنها، فكيف يستطيعونه لغيرهم؟ ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ هذا تمثيل لضلالهم في عبادة غير الله، والمراد بالأعمى الكافر وبالبصير المؤمن، وبالظلمات الضلال وبالنور الهدى أي كما لا يستوي الأعمى والبصير، وكما لا تستوي الظلمات والنور، كذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر ضياء الحق، والمشرك الذي عمي عن رؤية ذلك الضياء، فالفارق بين الحق والباطل واضح وضوح الفارق بين الأعمى والبصير، والفارق بين الإيمان والضلال ظاهر ظهور الفارق بين النور والظلام ﴿ أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ﴾ هذا من تمام الاحتجاج عليهم والتهكم بهم أي أم اتخذ هؤلاء المشركون آلهة خلقوا مخلوقات كالتي خلقها الله فالتبس الأمر عليهم فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم؟ وهو تهكم لاذع فإنهم يرون كل شيء من خلق الله، ويرون هذه الآلهة المزعومة لم تخلق شيئا ثم بعد هذا كله يعبدونها من دون الله، وذلك أسخف وأحط ما تصل إليه عقول المشركين، ولما أقام الحجة عليهم جاء بهذا البيان الواضح ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ أي الله الخالق لجميع الأشياء لا خالق غيره، وهو المنفرد بالألوهية والربوبية، الغالب لكل شيء، وجميع الأشياء تحت قدرته وقهره.

البلاغة: في الآيات الكريمة من وجوه الفصاحة والبيان والبديع ما يلي:

1- الإشارة بالبعيد عن القريب في ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ تنزيلا لها منزلة البعيد للدلالة على علو شأنها ورفعة منزلتها و (أل) في الكتاب للتفخيم أي الكتاب العجيب الكامل في إعجازه وبيانه.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٣٧