تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.23-42

المناسبة: لما ذكر تعالى ما أكرم به يوسف من الإقامة في القصر مع عزيز مصر، ذكر هنا ما تعرض له عليه السلام من أنواع الفتنة والإغراء من زوجة العزيز، وصموده أمام تلك الفتنة العارمة، وما ظهر منه من العفة والنزاهة حتى آثر دخول السجن على عمل الفاحشة، وكفى بذلك برهانا على عفته وطهارته.

اللغة: ﴿ وراودته ﴾ المراودة: الطلب برفق ولين مأخوذة من راد يرود إذا جاء وذهب ومنه الرائد لطلب الكلأ، يقال في الرجل: راودها عن نفسها، وفي المرأة راودته عن نفسه أي طلبت منه مضاجعتها ﴿ هيت ﴾ اسم فعل أمر بمعنى تعال وهلم ﴿ مثواي ﴾ مقامي، والثواء الإقامة مع الاستقرار ﴿ همت ﴾ الهم يأتي بمعنى العزم والقصد، ومنه

وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه

[غافر: 5] ويأتي بمعنى الخاطر وحديث النفس دون عزم قال الشاعر:

هممت بهم من بثينة لو بدا

شفيت غليلات الهوى من فؤاديا

فالهم من امرأة العزيز كان هم عزم وتصميم، والهم من يوسف كان مجرد حديث نفس ﴿ السوء ﴾ المنكر، والفجور، والمكروه ﴿ والفحشآء ﴾ ما تناهى قبحه والمراد به الزنى ﴿ قدت ﴾ القد: الشق والقطع وأكثر ما يستعمل في الطول، والقط يستعمل في العرض ﴿ ألفيا ﴾ وجدا ﴿ كيدكن ﴾ الكيد: المكر والحيلة ﴿ الخاطئين ﴾ المتعمدين للذنب قال الأصمعي: خطئ الرجل فهو خاطئ إذا تعمد الذنب، وأخطأ يخطئ إذا غلط ولم يتعمد ﴿ شغفها حبا ﴾ وصل حبه إلى سويداء قلبها قال الزجاج: الشغاف سويداء القلب ﴿ أصب ﴾ أمل يقال: صبا إلى اللهو إذا مال إليه.

التفسير: ﴿ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ﴾ هذه هي المحنة الثالثة بعد محنة الجب والاسترقاق، والمراودة الطلب برفق ولين كما يفعل المخادع بكلامه المعسول المعنى: طلبت امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها منه أن يضاجعها، ودعته برفق ولين أن يواقعها، وتوسلت إليه بكل وسيلة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ أي غلقت أبواب البيوت عليها وعلى يوسف وأحكمت إغلاقها قال القرطبي: كانت سبعة أبواب غلقتها ثم دعته إلى نفسها ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أي هلم وأسرع إلى الفراش فليس ثمة ما يخشى قال في البحر: أمرته بأن يسرع إليها ﴿ قال معاذ الله ﴾ أي عياذا بالله من فعل السوء قال أبو السعود: وهذا إشارة إلى أنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه، لما أراه الله من البرهان النير على ما فيه من غاية القبح ونهاية السوء ﴿ إنه ربي أحسن مثواي ﴾ أي إن زوجك هو سيدي العزيز الذي أكرمني وأحسن تعهدي فكيف أسيء إليه بالخيانة في حرمه؟ ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ أي لا يظفر الظالمون بمطالبهم، ومنهم الخائنون المجازون الإحسان بالسوء، ثم أخبر تعالى ان امرأة العزيز حاولت إيقاعه في شراكها، وتوسلت إليه بكل وسائل الإغراء، ولولا أن الله جل وعلا حفظه من كيدها لهلك فقال ﴿ ولقد همت به ﴾ أي همت بمخالطته عن عزم وقصد وتصميم، عزما جازما على الفاحشة لا يصرفها عنها صارف، وقصدت إجباره على مطاوعتها بالقوة، بعد أن استحكمت من تغليق الأبواب، ودعوته إلى الإسراع، مما اضطره إلى الهرب إلى الباب ﴿ وهم بها ﴾ أي مالت نفسه إليها بمقتضى الطبيعة البشرية، وحدثته نفسه بالنزول عند رغبتها حديث نفس، دون عزم وقصد، فبين الهمين فرق كبير قال الإمام الفخر: الهم خطور الشيء بالبال أو ميل الطبع، كالصائم في الصيف يرى الماء البارد فتحمله نفسه على الميل إليه وطلب شربه، ولكن يمنعه دينه عنه ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ جوابه محذوف أي لولا حفظ الله ورعايته ليوسف، وعصمته له لخالطها وأمضى ما حدثته نفسه به، ولكن الله عصمه بالحفظ والتأييد فلم يحصل منه شيء البتة قال في البحر: نسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذي أختاره أن " يوسف " عليه السلام لم يقع منه هم البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: " قارفت الذنب لولا أن عصمك الله " وكقول العرب: " أنت ظالم إن فعلت " وتقديره: إن فعلت فأنت ظالم وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها ولكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم، وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك، لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا مع كونها قادحة في بعض فساق الملل فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة وقال أبو السعود: إن همه بها بمعنى ميله إليها بمقتضى الطبيعة البشرية، ميلا جبليا، لا أنه قصدها قصدا اختياريا، ألا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له ونفرته عنه، وحكمه بعدم إفلاح الظالمين، وهل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهم منه تسجيلا محكما؟ وما قيل: إنه حل الهميان، وجلس مجلس الختان، فإنما هي خرافات وأباطيل، تمجها الآذان، وتردها العقول والأذهان ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء ﴾ أي ثبتناه على العفة أمام دوافع الفتنة والإغراء لنصرف عنه المنكر والفجور، وهذه آية بينة، وحجة قاطعة على أنه عليه السلام لم يقع منه هم بالمعصية، ولو كان كما زعموا لقال " لنصرفه عن السوء والفحشاء " فلما قال ﴿ لنصرف عنه ﴾ دل على أن ذلك شيء خارج عن الإرادة فصرفه الله عنه، بما منحه من موجبات العفة والعصمة ﴿ والفحشآء ﴾ أي لنصرف عنه الزنى الذي تناهى قبحه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله لطاعته، واصطفاهم واختارهم لوحيه ورسالته، فلا يستطيع أن يغويهم الشيطان.

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٢٥