. ثم أخبر تعالى بما حصل من المفاجأة العجيبة بقدوم زوجها وهما يتسابقان نحو الباب، ولا تزال هي في هياجها الحيواني ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا نحو باب القصر، هو للهرب، وهي للطلب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ أي شقت ثوبه من خلف لأنها كانت تلحقه فجذبته فشقت قميصه ﴿ وألفيا سيدها لدى الباب ﴾ أي وجدا العزيز عند باب القصر فجأة وقد حضر في غير أوان حضوره، وبمهارة فائقة تشبه مهارة إبليس انقلب الوضع فأصبح الظالم مظلوما، والبريء متهما ﴿ قالت ما جزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ﴾ أي ما جزاؤه إلا السجن أو الضرب ضربا مؤلما وجيعا ﴿ قال هي راودتني عن نفسي ﴾ أي قال يوسف مكذبا لها: هي التي دعتني إلى مقارفة الفاحشة لا أني أردت بها السوء ﴿ وشهد شاهد من أهلهآ ﴾ قال ابن عباس: كان طفلا في المهد أنطقه الله، وكان ابن خالها قال في البحر: وكونه من أهلها أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة ﴿ إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ﴾ أي إن كان ثوبه قد شق من أمام فهي صادقة وهو كاذب ﴿ وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ﴾ أي وإن كان ثوبه قد شق من الوراء فهي كاذبة وهو صادق، لأن الأمر المنطقي أن يشق الثوب من خلف إن كانت هي الطالبة له وهو الهارب ﴿ فلما رأى قميصه قد من دبر ﴾ أي فلما رأى زوجها أن الثوب قد شق من الوراء ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ أي إن هذا الأمر من جملة مكركن واحتيالكن أيتها النسوة ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ تأكيد لما سبق ذكره أي مكركن معشر النسوة واحتيالكن للتخلص مما دبرتن شيء عظيم ﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ أي يا يوسف أكتم هذا الأمر ولا تذكره لأحد، يقول سيد قطب عليه الرحمة والرضوان: وهنا تبدو صورة من " الطبقة الراقية " في المجتمع الجاهلي، رخاوة في مواجهة الفضائح الجنسية، وميل إلى كتمانها عن المجتمع، فيلتفت العزيز إلى يوسف البريء ويأمره بكتم الأمر وعدم إظهاره لأحد، ثم يخاطب زوجه الخائن بأسلوب اللباقة في مواجهة الحادث الذي يثير الدم في العروق ﴿ واستغفري لذنبك ﴾ أي توبي واطلبي المغفرة من هذا الذنب القبيح، وكأن هذا هو المهم محافظة على الظواهر ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ أي من القوم المتعمدين للذنب، وفي هذا إشارة إلى أن العزيز كان قليل الغيرة حيث لم ينتقم ممن أرادت خيانته، وتدنيس فراشه بالإثم والفجور قال ابن كثير: كان زوجها لين العريكة سهلا، أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه ﴿ وقال نسوة في المدينة ﴾ أي قال جماعة من النساء في مدينة مصر، روي أنهن خمس نسوة: امرأة ساقي العزيز، وامرأة الحاجب، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن قاله ابن عباس وغيره، والأظهر أن تلك الواقعة شاعت في البلد، واشتهرت وتحدث بها النساء ﴿ امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ﴾ أي امرأة عزيز مصر تطلب من خادمها وعبدها أن يواقعها وتخادعه وتتوسل إليه لقضاء وطرها منه قال أبو حيان: وتصريحهن بإضافتها إلى العزيز مبالغة في التشنيع، لأن النفوس أميل لسماع أخبار ذوي الجاه، وعبرن ب ﴿ تراود ﴾ للدلالة على أن ذلك صار سجية لها فهي دائما تخادعه عن نفسه لأن المضارع يفيد التجدد والاستمرار ﴿ قد شغفها حبا ﴾ أي بلغ حبه شغاف قلبها - وهو حجابه - وشقه حتى وصل إلى فؤادها ﴿ إنا لنراها في ضلال مبين ﴾ أي إنا لنعتقد أنها في ضلال عن طريق الرشد واضح بسبب حبها إياه ﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ أي فلما سمعت بحديثهن، وسماه مكرا لأنه كان في خفية، كما يخفي الماكر مكره ﴿ أرسلت إليهن ﴾ أي أرسلت إليهن تدعوهن إلى منزلها لحضور وليمة قال المفسرون: دعت أربعين امرأة من الذوات منهن النساء الخمس المذكورات ﴿ وأعتدت لهن متكئا ﴾ أي هيأت لهن ما يتكئن عليه من الفرش والوسائد ﴿ وآتت كل واحدة منهن سكينا ﴾ في الكلام محذوف أي قدمت لهن الطعام وأنواع الفاكهة ثم أعطت كل واحدة منهن سكينا لتقطع به ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ أي وقالت ليوسف وهن مشغولات بتقشير الفاكهة والسكاكين في أيديهن: اخرج عليهن فلم يشعرن إلا ويوسف يمر من بينهن ﴿ فلما رأينه أكبرنه ﴾ أي فلما رأين يوسف أعظمنه وأجللنه، وبهتن من جماله ودهشن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحن أيديهن بالسكاكين لفرط الدهشة المفاجئة ﴿ وقلن حاش لله ﴾ أي تنزه الله عن صفات العجز، وتعالت عظمته في قدرته على خلق مثله ﴿ ما هذا بشرا ﴾ أي ليس هذا من البشر ﴿ إن هذآ إلا ملك كريم ﴾ أي ما هو إلا ملك من الملائكة، فإن هذا الجمال الفائق، والحسن الرائع مما لا يكاد يوجد في البشر ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ صرحت عند ذلك بما في نفسها من الحب ليوسف لأنها شعرت بأنها انتصرت عليهن فقالت قولة المنتصرة: هذا الذي رأيتموه هو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني في محبته، فانظرن ماذا لقيتن منه من الافتتان والدهش والإعجاب!! ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ أي أردت أن أنال وطري منه، وأن أقضي شهوتي معه، فامتنع امتناعا شديدا، وأبى إباء عنيفا قال الزمخشري: والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد ﴿ ولئن لم يفعل مآ آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ﴾ أي ولئن لم يطاوعني ليعاقبن بالسجن والحبس وليكونن من الأذلاء المهانين قال القرطبي: عاودته المراودة بمحضر منهن، وهتكت جلباب الحياء، وتوعدت بالسجن إن لم يفعل، ولم تعد تخشى لوما ولا مقالا، خلاف أول أمرها إذ كان ذلك سرا بينها وبينه ﴿ قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ لجأ يوسف إلى ربه وجعل يناجيه في خشوع وتضرع فقال: رب السجن آثر عندي وأحب إلى نفسي من اقتراف الفاحشة، وأسند الفعل إليهن لأنهن جميعا مشتركات في الدعوة بالتصريح أو التلويح، وقيل إنها لما توعدته نصحته وزين له مطاوعتها، ونهينه عن إلقاء نفسه في السجن ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ أي وإن لم تدفع عني شرهن وتعصمني منهن ﴿ أصب إليهن ﴾ أي أمل إلى إجابتهن بمقتضى البشرية ﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ أي بسبب ما يدعونني إليه من القبيح، وهذا كله على سبيل التضرع والاستغاثة بجناب الله تعالى كعادة الأنبياء والصالحين ﴿ فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ﴾ أي أجاب الله دعاءه فنجاه من مكرهن، وثبته على العصمة والعفة ﴿ إنه هو السميع ﴾ أي لدعاء الملتجئين إليه ﴿ العليم ﴾ بأحوالهم وما انطوت عليه نياتهم.
صفوة التفاسير · الصفحة ٣٢٦
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
صفوة التفاسيرص ٣٢٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي