الآية.
التفسير: ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ أي إن مالوا إلى الصلح والمهادنة فمل إليه وأجبهم إلى ما طلبوا إن كان فيه مصلحة ﴿ وتوكل على الله ﴾ أي فوض الأمر إلى الله ليكون عونا لك على السلامة ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ أي هو سبحانه السميع لأقوالهم العليم بنياتهم ﴿ وإن يريدوا أن يخدعوك ﴾ أي وإن أرادوا بالصلح خداعك ليستعدوا لك ﴿ فإن حسبك الله ﴾ أي فإن الله يكفيك وهو حسبك، ثم ذكره بنعمته عليه فقال ﴿ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ﴾ أي قواك وأعانك بنصره وشد أزرك بالمؤمنين قال ابن عباس: يعني الأنصار ﴿ وألف بين قلوبهم ﴾ أي جمع بين قلوبهم على ما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فأبدلهم بالعداوة حبا، وبالتباعد قربا قال القرطبي: وكان تأليف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عليها، وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بينهم بالإيمان، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين ﴿ لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم ﴾ أي لو أنفقت في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال ما قدرت على تأليف قلوبهم واجتماعها على محبة بعضها بعضا ﴿ ولكن الله ألف بينهم ﴾ أي ولكنه سبحانه بقدرته البالغة جمع بينهم ووفق، فإنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء ﴿ إنه عزيز حكيم ﴾ أي غالب على أمره لا يفعل شيئا إلا عن حكمة ﴿ يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ أي الله وحده كافيك، وكافي اتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد وقال الحسن البصري: المعنى حسبك أي كافيك الله والمؤمنون ﴿ يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ أي حض المؤمنين ورغبهم بكل جهدك على قتال المشركين ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين ﴾ قال أبو السعود: هذا وعد كريم منه تعالى بغلبة كل جماعة من المؤمنين على عشرة أمثالهم والمعنى: إن يوجد منكم يا معشر المؤمنين عشرون صابرون على شدائد الحرب يغلبوا مائتين من عدوهم، بعون الله وتأييده ﴿ وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ﴾ أي وإن يوجد منكم مائة - بشرط الصبر عند اللقاء - تغلب ألفا من الكفار بمشيئة الله ﴿ بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ الباء سببية أي سبب ذلك بأن الكفار قوم جهلة لا يفقهون حكمة الله، ولا يعرفون طريق النصر وسببه، فهم يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، فلذلك يغلبون قال ابن عباس: كان ثبات الواحد للعشرة فرضا، ثم لما شق ذلك عليهم نسخ وأصبح ثبات الواحد للاثنين فرضا ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ أي رفع عنكم ما فيه مشقة عليكم ﴿ وعلم أن فيكم ضعفا ﴾ أي وعلم ضعفكم فرحمكم في أمر القتال ﴿ فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين ﴾ أي إن يوجد منكم مائة صابرة على الشدائد يتغلبوا على مائتين من الكفرة ﴿ وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ﴾ أي وإن يوجد منكم ألف صابرون في ساحة اللقاء، يتغلبوا على ألفين من الأعداء ﴿ بإذن الله ﴾ أي بتيسيره وتسهيله ﴿ والله مع الصابرين ﴾ هذا ترغيب في الثبات وتبشير بالنصر أي الله معهم بالحفظ والرعاية والنصرة، ومن كان الله معه فهو الغالب ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أخذ الفداء والمعنى: لا ينبغي لنبي من الأنبياء أن يأخذ الفداء من الأسرى إلا بعد أن يكثر القتل ويبالغ فيه ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ أي تريدون أيها المؤمنون بأخذ الفداء حطام الدنيا ومتاعها الزائل؟ ﴿ والله يريد الآخرة ﴾ أي يريد لكم الباقي الدائم، وهو ثواب الآخرة، بإعزاز دينه وقتل أعدائه ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ أي عزيز في ملكه لا يقهر ولا يغلب، حكيم في تدبير مصالح العباد ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ أي لولا حكم في الأزل من الله سابق وهو ألا يعذب المخطئ في اجتهاده ﴿ لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم ﴾ أي لأصابكم في أخذ الفداء من الأسرى عذاب عظيم، وروي أنها لما نزلت قال عليه السلام