تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه

[الشورى: 20] ﴿ وسنجزي الشاكرين ﴾ أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا بحسب شكرهم وعملهم ﴿ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ﴾ أي كم من الأنبياء قاتل لإعلاء كلمة الله وقاتل معه علماء ربانيون وعباد صالحون قاتلوا فقتل منهم من قتل ﴿ فما وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله ﴾ أي ما جبنوا ولا ضعفت هممهم لما أصابهم من القتل والجراح ﴿ وما ضعفوا ﴾ عن الجهاد ﴿ وما استكانوا ﴾ أي ما ذلوا ولا خضعوا لعدوهم ﴿ والله يحب الصابرين ﴾ أي يحب الصابرين على مقاساة الشدائد والأهوال في سبيل الله ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ أي ما كان قولهم مع ثباتهم وقوتهم في الدين إلا طلب المغفرة من الله ﴿ وإسرافنا في أمرنا ﴾ أي وتفريطنا وتقصيرنا في واجب طاعتك وعبادتك ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ أي ثبتنا في مواطن الحرب ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ أي انصرنا على الكفار ﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴾ أي جمع الله لهم بين جزاء الدنيا بالغنيمة والعز والظفر والتمكين لهم بالبلاد وبين جزاء الآخرة بالجنة ونعيمها ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ أي يحب من أحسن عمله وأخلص نيته، وخص ثواب الآخرة بالحسن إشعارا بفضله وأنه المعتد به عند الله.

البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:

1- ﴿ عرضها السموت والأرض ﴾ أي كعرض السماوات والأرض حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه يسمى هذا " التشبيه البليغ ".

2- ﴿ سارعوا إلى مغفرة ﴾ من باب تسمية الشيء باسم سببه أي إلى موجبات المغفرة.

3- ﴿ السرآء والضرآء ﴾ فيه الطباق وهو من المحسنات البديعية.

4- ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ استفهام يقصد منه النفي أي لا يغفر.

5- ﴿ أولئك جزآؤهم مغفرة ﴾ الإشارة بالبعيد للإشعار ببعد منزلتهم وعلو طبقتهم في الفضل.

6- ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر العاملين ذلك.

7- ﴿ وليعلم الله ﴾ هو من باب الالتفات لأنه جاء بعد لفظ ﴿ نداولها ﴾ فهو التفات من الحاضر إلى الغيبة، والسر في هذا الالتفات تعظيم شأن الجهاد في سبيل الله.

8- ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ قصر موصوف على صفة.

9- ﴿ انقلبتم على أعقابكم ﴾ قال في تلخيص البيان: هذه استعارة والمراد بها الرجوع عن دينه، فشبه سبحانه الرجوع في الإرتياب بالرجوع على الأعقاب.

الفوائد: الأولى: في هذه الآيات الكريمة ﴿ وسارعوا إلى مغفرة ﴾ أمهات مكارم الأخلاق من البذل وكظم الغيظ والعفو عن المسيئين والتوبة من الذنوب، وكل منها مصدر لفضائل لا تدخل تحت الحصر.

الثانية: قدم المغفرة على الجنة لأن التخلية مقدمة على التحلية فلا يستحق دخول الجنة من لم يتطهر من الذنوب والآثام.

الثالثة: تخصيص العرض بالذكر للمبالغة في وصف الجنة بالسعة والبسطة فإذا كان هذا عرضها فكيف يكون طولها؟ قال ابن عباس: كسبع سماوات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض.

الرابعة: كتب هرقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال عليه السلام:

" سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار ".

الخامسة: أمر تعالى بالمسارعة إلى عمل الآخرة في آيات عديدة ﴿ وسارعوا إلى مغفرة ﴾ و

سابقوا إلى مغفرة

[الحديد: 21]

فاستبقوا الخيرات

[البقرة: 148]

فاسعوا إلى ذكر الله

[الجمعة: 9]

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون

[المطففين: 26] وأما لعمل الدنيا فأمر بالهوينى

فامشوا في مناكبها

[الملك: 15]

وآخرون يضربون في الأرض

[الزمر: 20] فتدبر السر الدقيق.

صفوة التفاسير · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٣١